الزيارة المشروعة للقبور الحمد لله الغني الحميد، المبدئ المعيد، ذي العرش المجيد، الفعّال لما يريد، أحاط بكل شيء علمًا وهو على كل شيء شهيد، أحمده سبحانه، وأشكره، وأسأله من فضله المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا معين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله وخليله، أفضل داع إلى الإيمان والتوحيد، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة» .
أيها المسلمون: كان الرسول ﷺ قد نهى عن زيارة القبور في أول الإسلام، نهيًا عامًا يشمل الرجال والنساء، ونهيه ﷺ عن ذلك لقرب عهدهم بالشرك، والافتتان بالقبور وأصحابها، فقد كان العرب في الجاهلية يتعلقون بالأحجار، والأشجار، وقبور الأنبياء والصالحين، وحديث العهد بالشرك وبالباطل الذي اعتاده قلبه ونشأ عليه لا يؤمن أن يكون فيه بقية من تلك المادة، إلى أن يثبت الإيمان والتوحيد في قلبه، ويبعد عهده بما كان عليه
[ ١٣٠ ]
في جاهليته من قبل، ولذلك طلب بعض حديثي العهد بالجاهلية والوثنية من النبي ﷺ: أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها، ويعلقون عليها أسلحتهم للبركة، طلبوا ذلك: لأنهم رأوا المشركين يفعلون ذلك، ظنًا منهم أنه جائز، وفيه فائدة ويقربهم إلى الله. فالتبس عليهم الحق بالباطل، لقرب عهدهم بالجاهلية ووثنيتها.
والرسول ﷺ حريص على قطع دابر الشرك، واقتلاعه من النفوس، وسد ذرائعه الموصلة إليه، وكان نهيه ﷺ عن زيارة القبور في أول الأمر: خوفًا عليهم من الفتنة، وإبعادا لهم عن الشرك وذرائعه، فلما استقر الإسلام، وتمكن التوحيد من نفوسهم، وأمن عليهم: أذن في زيارتها للرجال خاصة، مبينًا ﷺ فوائدها، والحكمة في شرعيتها بقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة» . فزيارة القبور شرعت للتذكير بالموت وبالآخرة، والتزهد في الدنيا، والدعاء للأموات بالمغفرة، والترحم عليهم، وكان الرسول ﷺ يزور القبور، ويدعو للموتى، ويسلم عليهم، وكان يبكي ويُبْكى من حوله. أرشدنا كيف نزور قبور إخواننا المسلمين، وما نقول عند زيارتها، حفظ عنه ﷺ أنه كان يقول إذا أتى المقابر: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية»، وكان ﷺ لا يشد رحلًا لزيارة القبور ولا يسافر لأجلها، ولم يأذن لنا بشد الرحال لزيارتها، بل جاء عنه النهى عن ذلك بقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
[ ١٣١ ]
ومن أراد زيارة الرسول ﷺ وأن يكون عمله مشروعًا ومقبولًا، عليه أن يقصد بسفره المسجد، فإذا أتى إليه صلى فيه ما قدر له، ثم أتى إلى القبر الشريف إن شاء، فسلم على النبي ﷺ بأدب واحترام وعدم رفع صوت أو ضجيج، ثم سلم على صاحبيه، ﵄، ثم انصرف.
ولم يعيِّن لزيارة القبور، ولا لأحد المساجد الثلاثة يومًا معلومًا، أو شهرًا معلومًا، بل شَرَع لنا زيارتها في أي وقت تيسر لنا ذلك، فهذا هدي الرسول ﷺ وهذه سنته في زيارة القبور، ولكن لكثرة الجهل والإعراض عما جاء به المصطفى ﷺ ضل بعض من الناس فجعلوا زيارة القبور استغاثة بالصالحين وتوسلًا بهم، ولم يميزوا بين ما شرعه لأمته، وبين ما نهى عنه، والله تعالى قد أوجب علينا طاعة الرسول ﷺ، والاقتداء به، وهو ﷺ قد أرشدنا بقوله وفعله وبين لنا الحكمة من ذلك. فلتكن زيارتنا واعظة ومذكرة، ولندع لإخواننا المسلمين بالمغفرة والرحمة، فهم محتاجون إلى الدعاء، لأن أعمالهم قد انقطعت بموتهم، فهم أحوج من الأحياء في الدعاء لهم، والترحم عليهم، وطلب الغفران، كل ذلك مشروع ومأذون فيه للرجال.
أما النساء فإنهن ممنوعات من زيارة القبور، وتشييع الجنائز، ولم يرخص لهن في ذلك، كما رخص للرجال وقد جاء عن النبي ﷺ التأكيِد في منعهن من الزيارة، ولعنهن عليها، قال ﷺ: «لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج»، لا يستثنى من ذلك قبر الرسول ﷺ لعموم النهى. فمنعهن متحتم لجزعهن، وقلة صبرهن، وخوف الفتنة عليهن،
[ ١٣٢ ]
فإنهن إلى الجزع أقرب، وهن أضعف من الرجال. في الحديث عنه ﷺ، أنه قال لنسوة رآهن ذاهبات إلى المقابر: «ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت» . وقال لابنته فاطمة، ﵂: «إنك لو بلغت معهم الكدى (أي المقبرة) لم تدخلي الجنة» . أو كما قال. فاتقوا الله عباد الله، واهتدوا بهدي الرسول ﷺ، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون، بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم (١) .
_________________
(١) انظر من أحاديث المنبر لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ ص ١٦١.
[ ١٣٣ ]