حسن الجوار وحقوق الجار الحمد لله الذي أمرنا بالبر والصلة ونهانا عن العقوق، وجعل حق المسلم على المسلم من آكد الحقوق، وجعل للجار حقًّا على جاره وإن كان من أهل الكفر والفسوق، نحمده تعالى وبه الوثوق، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو الخالق وكل شيء سواه مخلوق. ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق المصدوق.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد الناطق بأفضل منطوق، ﷺ وعلى آله وصحبه المؤدين للحقوق، وعلى التابعين لهم بإحسان من سابق ومسبوق.
عباد الله: حق الجار على جاره مؤكد بالآيات والأحاديث، وما زال جبريل يوصي محمدًا ﷺ بالجار حتى ظن أنه سيشركه في المواريث، ولا يسيء الجوار ويؤذي الجار إلا لئيم وخبيث، بكل فساد في الأرض يعيث وفيه يقول ﷺ: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل يا رسول الله لقد خاب وخسر من هو؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه. قالوا: وما بوائقه؟ قال شره» .
كان العرب في الجاهلية والإسلام يحمون الذمار، ويتفاخرون بحسن الجوار وعلى قدر الجار يكون ثمن الدار. والإسلام يأمر بحسن المجاورة ولو مع الكفار وشر الناس من تركه الناس اتقاء شره. وتباعد عنه من يعرفه تجنبًا لضره. وأخبث الجيران من يتتبع العثرات. ويتطلع إلى العورات في سره وجهره، وليس بمأمون على دين ولا نفس ولا أهل ولا مال. قال رسول الله
[ ٢٣٢ ]
ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، وقال رسول الله ﷺ: «المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» .
عار عليك أيها المسلم أن تبيت شبعانًا، وجارك طاو جائع، وعار عليك أن تلبس الجديد وتبخل بما أبليت من ثيابك على عراة الجيران، وعار عليك أن تتمتع بالطيبات من مشموم ومطعوم وجيرانك يشتهون العظام وكسر الطعام وأنت تعلم قول رسول الله ﷺ: «ألا لا تحقرن جارة لجارتهما ولو فرسن شاة»، وأنه قال لأبي ذر ﵁: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعهد جيرانك» .
أيها المسلم: إن من حق جارك عليك أن تسلم عليه إذا لقيته، وأن تعوده إذا مرض، وتشيعه إذا مات، وتكون لأولاده بعد وفاته كما كان لهم في حياته. وأن تقف إلى جانبه في السراء والضراء والشدة والرخاء. وفي المثل السائر: " من فاته نفع إخوانه، فلا يفوتنه نفع جيرانه "، وقال رسول الله ﷺ: «خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره» .
حرام عليك أيها المسلم أن تنظر في بيت جارك وهو غافل أو تخونه في أهله، ومن نظر في بيت جاره بغير إذنه ملأ الله عينه من نار جهنم،
[ ٢٣٣ ]
وحرام عليك أن تسمع ما يقول في بيته فتكون جاسوسًا لا يأمنك على قوله وفعله، وإذا عجزت عن بر جارك أو الإحسان إليه والاعتراف بفضله، فكف أذاك عنه ولا تضره ودعه يستريح في منزله وإذا دعاك فأجبه، وإن استشارك فأشر عليه، وإذا كان مظلومًا فانصره أو ظالمًا فاقبض على يديه، وإن أحسن فاشكره وإن أساء فاعف عنه، وإن ارتكب الفساد فلا تقره عليه، فرب جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول يا رب إن هذا قد أغلق بابه دوني ومنعني معروفه، ورآني على الشر فلم ينهني عنه «وقال رجل يا رسول الله إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها، قال: " هي في النار "، قال: يا رسول الله فإن فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها قال: " هي في الجنة» .
وقال رسول الله ﷺ: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح والمركب الهنيء. وأربع من الشقاوة: الجار السوء والمرأة السوء والمركب السوء والمسكن الضيق»، والله تعالى يحب جارًا صبر على أذية جاره حتى يكفيه الله إياه بتحول أو موت.
ومن الحماقة وضعف الرأي ترافع الناس إلى الحكام فيما يقع عادة بين الجيران، من خصومات النساء ومشاجرات الصبيان، ومما جاء عن رسول الله ﷺ نهيه عن إطالة البنيان إذا كان في ذلك شيء من الأذى كسد الهواء والإشراف على من يدانيك في المكان. ولقد كان يقول ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول»، وقال
[ ٢٣٤ ]
﵊: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك يميت القلب» .
بعض الناس لا يبالي بغيره إذا تمت له راحته، ولا يهمه أن يكون عباد الله كلهم ساخطين عليه وأن تدنس ساحته، ما دام ينال قصده ويصل إلى مراده ويتمتع بشهواته، وتحسن له حالته، لو كان في ذلك هلاك غيره وترك دينه وخروجه عن الشرف والمروءة ولذلك تراه بغيضًا في إخوانه ممقوتًا في جيرانه، وخفيفًا في ميزانه وسخيفًا عند من يعرفه من أهل زمانه. ومما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»، وقال رسول الله ﷺ: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» .
جعلني الله وإياكم من خيار خلقه، وبارك لي ولكم في الطيبات من رزقه، وأجارني وإياكم من أذية الجار والتهاون بحقه، آمين: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]
[ ٢٣٥ ]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[ ٢٣٦ ]