شهر رمضان وفرضيته وتيسيره الحمد الله الذي فرض الصيام على المؤمنين موقوتًا بشهر كريم، وجعل فيه ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وله الخلق والأمر، وله العز والقهر، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الشافع المشفع يوم البعث والحساب، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] أيها المسلمون: الصيام لله تعالى عبادة فاضلة لا أحد غير المعبود يقدر ثوابها، وشهر رمضان أحد أركان الإسلام الخمسة شرعه الله للعباد رحمة وإحسانًا وحمية وجُنة، وفرض على المؤمنين شهر رمضان وحتم عليهم آداءه بوجه تستيقظ به التقوى في قلوبهم، وتنقمع سَورة الشهوة في نفوسهم، ويدركون معه فوائد الصوم الروحية الأدبية والاجتماعية والصحية، ولهذا قال تعالى في تعقيب الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ومن رحمة البارئ ﷿ ولطفه وتيسيره على المسلمين أن سهل عليهم صوم شهرهم بعدة أشياء، منها: أنه تعالى أخبرهم أن هذا الصوم الذي فرض عليهم ليس لأول مرة في تاريخ الأديان، ولا بدعًا في التشريع فقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]
[ ١٨٣ ]
فسبحان الله الملك الحق، فالإنسان إذا عرف أنه إنما كلف بشيء سبق وتقدم وفرض على الطوائف والأمم السابقة هان عليه الأمر وتشجع عليه بل، واجتهد ليكون أحسن في الأداء من غيره، ومنها: أنه تعالى هون عدة الشهر وثقلها عليهم بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فهي تصام تباعًا وتنقضي سراعًا، وصدق الله العظيم، فما نسبة هذا الشهر - الذي لا يصام إلا نهاره - إلى العام الكامل الذي ينقضي في لذة مباحة ومتعة وراحة؟ ولكنها عطية الله الكريم ورحمة الله الرحيم. . ومنها أنه تعالى رخص للشيخ الكبير الهرم والمرأة الكبيرة الهرمة أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مسكينًا إذا كانا يجدانه، لقول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] " إنها ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطع الصوم ". رواه البخاري، ويلحق بهذا المعنى المريض الذي لا يرجى برؤه، كما يلحق به أيضًا الحامل والمرضع إن خافتا على نفسيهما أفطرتا وقضتا وإن خافتا على ولديهما قضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا، والإطعام في هذه الحالة على من تلزمه نفقة الولد. . ومنها: أنه تعالى جعل صيام الشهر موسمًا عالميًا للعبادة والذكر والتلاوة والورع والمغفرة ومضاعفة الأجور، يلتقي على صعيده كل المسلمين في جميع الأقطار، ومن جميع الأجناس، الفقير والغني، الجاهل والعالم، ففي كل بلد، وفي كل قرية وبادية، وفي كل قصر وكوخ: رمضان، فلا افتيات في الرأي ولا فوضى في الاختيار، وإنما الكل يصومون شهرًا واحدًا هو شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن. ومنها: أنه تعالى أحل للمسلمين بعد غروب الشمس مباشرة النساء والأكل والشرب، سواء نام
[ ١٨٤ ]
العبد أو لم ينم، وكان في أول فرض الصوم يحرم عليهم الأكل والشرب والجماع بعد النوم، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله عنهم ذلك وأباح لهم في ليالي الصوم كلها الأكل والشرب ومباشرة النساء فقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] كل ذلك وغيره مما خفف الله تعالى به على المؤمنين، فهنيئًا لهم على صيام شهرهم، وهنيئًا لهم على تيسير ربهم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
والصوم هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وتوابعها بنية خالصة لله ﷿ من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات، لقول رسول الله - ﷺ -: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» .
وكان فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله - ﷺ - وقد صام تسع رمضانات، ويجب صوم رمضان بأحد أمرين: إما برؤية الهلال لقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإما بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا لقول رسول الله - ﷺ -: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة
[ ١٨٥ ]
شعبان ثلاثين يومًا»، ولا عبرة لمنازل القمر مرتفعة أو منخفضة، ولا لكبر الأهلة وصغرها في دخول الشهر أو خروجه، فالمغارب تختلف باختلاف المطالع وسير الكواكب في الفلك، ولم يرد أن رسول الله - ﷺ - حكم بمنازل القمر وكبر الأهلة، أو احتاط بها في وجوب الصوم أو الفطر، وإنما الذي صح عنه فعلًا وأمرًا قوله - ﷺ -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا»، وينبغي للعبد أن يتلقى هذا الشهر الشريف بالحمد والشكر والثناء على الله وبالقبول والفرح والتهاني، والاهتمام بأداء حقوق الصوم، فيعمر نهاره بالصيام وتلاوة القرآن وليله بالقيام والدعاء والتضرع، وكان رسول الله - ﷺ - يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان، فيقول: «قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» .
نسأل الله أن لا يحرمنا هذا الخير ونرجوه فضل هذه الليلة المباركة أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[ ١٨٦ ]