طلب الشفاعة الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، أحمده سبحانه وأشكره، لا أحصي ثناء عليه وهو كما أثنى على نفسه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فالكل منا يحب الخير لنفسه، ويحب أن يعمل صالحًا، حتى يحصل على الثواب وجزاء عمله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] فالأقوال والأعمال لا تنفع، ولا تحصل ثمرتها المرجوة، إلا إذا كانت خالصهَ لله وحده، وكانت بالاتباع وعدم الخروج عما جاء به الرسول - ﷺ -.
أيها المسلمون: من منا لا يؤمن بشفاعة الرسول - ﷺ - يوم القيامة وأنها حق؟ ومن منا لا يحب أن يشفع له الرسول - ﷺ -؟ .
فهو الشافع المشفع، وله المقام المحمود، الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، له الشفاعة الكبرى يوم القيامة التي يتأخر عنها أولو العزم من الرسل، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، تنتهي إليه - ﷺ - فيقول: أنا لها، وذلك في يوم القيامة، حين يطلب الخلق من الأنبياء أن يشفعوا لهم عند ربهم، ليريحهم من مقامهم في الموقف فيتأخر عن ذلك أولو العزم من
[ ١٥١ ]
الرسل فيأتون إلى سيد الخلق وأكرمهم على ربهم محمد، فيأتي - ﷺ -، ويسجد لربه أَولًا، لا يبدأ بالشفاعة، ثم يقال له ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، وهذه الشفاعة خاصة بالرسول - ﷺ -، لا يشاركه فيها أحد، وله - ﷺ - شفاعات أخرى، كلها يوم القيامة، ولا تكون إلا بعد الإذن له من الله، والرضا عن المشفوع له، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، ولا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلا ما أريد به وجهه فإذا كانت الشفاعة ملكًا لله وحده وكانت لأهل الإخلاص، ولا تكون إلا بعد الإذن والرضا، فلا يصح طلبها إلا من الله وحده، فهو المالك لها الذي يأذن أن يشفع لكل من وحد الله وأخلص العمل له، واهتدى بسنة رسول الله - ﷺ - ومات على ذلك، فشفاعة الرسول حاصلة له، وهو من أهلها لا شك في ذلك.
سأل أبو هريرة ﵁ رسول الله - ﷺ - فقال: «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» .
وحقيقة الأمر في ذلك، أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود فحصول الشفاعة لا بد فيه من أمرين: الأول: الرضا منه تعالى عن المشفوع له. والثاني: الإذن للشافع أن يشفع، وإذنه لا يكون إلا إذا رحم عبده الموحد
[ ١٥٢ ]
المذنب، فيأذن للشافع أن يشفع له، والرسول - ﷺ - قد بين السبب الذي تنال به الشفاعة وهو التوحيد، والإخلاص في العبادة، واجتناب الشرك صغيره وكبيره.
قال - ﷺ -: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئًا»، فعلينا أن نعمل صالحًا، وأن نطع الله ورسوله فنمتثل أوامره، ونجتنب نواهيه، وأن لا نشرك به شيئًا، حتى تحصل شفاعة الرسول - ﷺ -، وعلينا أن لا نطلب الشفاعة إلا من الله وحده، ونسأله تعالى أن يشفع فينا نبيه محمدا - ﷺ -، اللهم شفع فينا نبيك محمدًا - ﷺ -، اللهم لا تحرمنا شفاعته، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .
_________________
(١) انظر من أحاديث المنبر لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ ص ٤٧.
[ ١٥٣ ]