فضل الصحابة رضوان الله عليهم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه، ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد: أيها الإخوة المؤمنون: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال جل شأنه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]
هذه الآيات الكريمة وكثير غيرها مما أنزل الله - ﷾ - في فضل أصحاب رسوله ﷺ.
فأصحاب رسول الله ﷺ هم حملة رسالة الإسلام الأولون، وهم أنصار رسول الله ﷺ المنافحون عنه، المجاهدون في سبيل إعلاء كلمة الله، ونشر دعوته. هؤلاء الذين كانوا في يوم من الأيام لو أصابهم الهلاك لما عبد الله بعد ذلك. هؤلاء الذين كان رسول الله ﷺ ينظر إليهم يوم بدر وهم يقاتلون المشركين، ويرفع رأسه إلى السماء قائلًا: «اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد» .
[ ٢٨٨ ]
هؤلاء الذين ورد في فضائلهم من الآيات والسنن ما يضيق عن الحصر، ويتجاوز العد. هؤلاء الصحابة الذين آمنوا بالله ورسوله، وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه.
هؤلاء هم أفضل خلق الله بعد أنبياء الله، وهم أكرم خلق الله على الله بعد أنبيائه ورسله. هؤلاء الذين أكّد كتاب الله، وأكدت سنة رسوله ﵌ صدقهم وعدالتهم وتقواهم، والتزامهم التام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
ولذلك فقد نوه بفضائلهم رسول الله ﷺ وحذر من أن تجحد أو تنسى، وأوصى بهم كما أوصى بأهل بيته، فقال: «الله الله في أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»، وأمر ﵊ بحبهم وتوقيرهم، والنظر إليهم نظرة إجلال وتقدير.
فلقد سمع خالد بن الوليد يومًا، وهو يتلاحى مع عبد الرحمن بن عوف، وتعلمون أن خالدًا ﵁ كذلك من أصحاب رسول الله ﷺ ولكنه كان من المتأخرين في الإسلام، وليس من السابقين الأولين أما عبد الرحمن فقد كان من السابقين الأولين.
فحينما «سمع ﷺ خالدًا يرفع صوته على عبد الرحمن، غضب رسول الله ﷺ وقال: " هل أنتم تاركون لي أصحابي، لا تسبوا أصحابي فوالله لو أنفق أحدكم مثل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» فإذا كان الصحابي المتأخر لا يبلغ من الفضل مبلغ الصحابي المتقدم ويعتبر رفعه لصوته عليه، وعدم تأدبه
[ ٢٨٩ ]
معه بمثابة سب يغضب الله ورسوله ﷺ له، فما بالكم بأولئك الذين ينتقدون أصحاب رسول الله ﷺ ويؤذون رسول الله فيهم ويوجهون لهم شتى التهم والطعون.
إن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين نقلوا لنا كتاب الله، إن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين نقلوا لنا سنن رسول الله ﷺ، وإذا ما زعم أو ذهب ذاهب إلى الطعن بأصحاب رسول الله ﷺ فإن هذا الطعن لا يكون مجرد طعن بأشخاص سابقين بالإسلام والفضل، ولا يكون مجرد جحود لفضل أهل الفضل، ولكنه يكون كذلك بمثابة إنكار لصدق رسول الله ﷺ، وبمثابة إعراض عن كتاب الله وسنة رسوله ﵊، لأن الطعن بأصحاب رسول الله ﷺ طعن بالنقلة العدول الذين نقلوا لنا كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، فإذا ما طعن بهم، فإن ذلك الطعن، شاء الطاعنون أم أبوا يتضمن طعنًا بصدق تواتر نقل كتاب الله، وطعنًا بصحة ثبرت سنن رسول الله ﷺ، ويترتب على ذلك من العظائم الكبيرة، والسخائم الكثيرة أهوال وأهوال تودي إلى إنكار الإسلام، وإلى طمس عظمته، ولذلك فإن الإقرار بعدالة أصحاب رسول الله ﷺ في الجملة، والبعد عن سبهم وانتقادهم، وتجريح بعضهم، إنما هو نوع من الحرص على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والغيرة على الإسلام، ومقارفة شيء من ذلك والخوض في مجال الفتن التي وقعت بينهم، وتجريح بعضهم بحجة تزكية البعض الآخر، كل ذلك يتضمن طعنًا في نقلة الإسلام وحملته،
[ ٢٩٠ ]
وكل ذلك يؤدي والعياذ بالله إلى نوع من الاعتداء على الإسلام والابتعاد عن التقيد بتعاليمه وأحكامه.
إن أصحاب رسول الله ﷺ على العدالة، بذلك جاء القرآن، وبذلك شهد رسول الله ﷺ.
إن الطعون التي يكيلها البعض لهؤلاء جهلوا أم علموا إنما هي طعون برسول الله ﷺ ومحاولة لإنكار الإسلام.
فما تطاول امرؤ على أصحاب رسول الله ﷺ إلا جره ذلك التطاول إلى الاعتداء على حرمات الله ﷾، وإلى إنكار الكثير من أحكام الإسلام، وإلى انتهاك كثير من الحدود.
فاحفظوا رسول الله ﷺ بأصحابه وآل بيته، أحبوهم لحب رسول الله ﷺ لهم، أحبوهم لحب الله إياهم، ابتعدوا عن الخوض في كل ما يؤدي إلى التقليل من شأنهم، احذروا أولئك الذين ينددون بهم، وليس لهم من حديث إلا الاعتراض عليهم، والتنديد بما بدر منهم، والتقليل من شأنهم.
إن هؤلاء يريدون بذلك التشكيك بصحة نقل القرآن العظيم، التشكيك في سنن رسول الله ﷺ، فاحذروهم على دينكم، وخافوهم على رسالة نبيكم ﵌، واعلموا أن هؤلاء قوم ملعونون قد لعنهم الله وأعد لهم عذابًا أليمًا بما انتهكوا من حرمة رسول الله ﷺ وبما أثاروه من شبه حول رسالته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٢٩١ ]