فضل ذكر الله تعالى الحمد لله المذكور بكل لسان المشكور على كل إحسان خلق الخلق ليعبدوه وأظهر لهم آياته ليعرفوه ويسر لهم طرق الوصول إليه ليصلوه فهو ذو الفضل العظيم والخير الواسع العميم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد أيها الناس: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا وسبحوه بكرة وأصيلًا، كونوا من أولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، كونوا من الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب وتنفرج الكروب، بذكر الله يحصل النصر ويثبت الله القلب في مواطن الفزع، ولذلك أمر الله تعالى بذكره عند مقابلة الأعداء في الحرب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] إن ذكر الإنسان لربه يملأ قلبه سرورًا ويكسو وجهه نورًا ويذكره الله به، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] ويقول تعالى في الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عنه: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم»، وقال النبي ﷺ «سبق المفردون، قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال الذاكرون الله كثيرًا»، وقال النبي ﷺ «مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل
[ ٢٧٧ ]
الحي والميت» وسئل ﷺ «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»، وقال ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وأمر أن يلقن الميت إياها عند موته، وإن من أسباب ذكر الإنسان لها عند موته أن يكون مكثرًا لها في حياته فإن من أكثر من شيء ألفه، وقال ﷺ: «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها»، وقال ﷺ: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل»، وقال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك»، وقال ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم»، وقال ﷺ: «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر»، وقال: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس»، وقال ﷺ «أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال يسبح الله مائة تسبيحة فتكتب له ألف حسنة» . فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من هذه المكاسب العظيمة من أعمال يسيرة، أكثروا من ذكر الله ﷿ بقلوبكم
[ ٢٧٩ ]
وألسنتكم وجوارحكم، ليكن ذكر الله تعالى في قلوبكم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم كونوا متذكرين دائمًا لعظمته وجلاله وكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، ففي كل شيء له آية تذكركم به وتبرهن على وحدانيته وعظمته وقدرته وتبرز بها آثار رحمته وحكمته، اذكروا الله تعالى بألسنتكم بقول لا إله إلا الله، سبحان الله، الحمد لله، الله اكبر. واعلموا أن كل قول من الخير تريدون به وجه الله فهو من ذكر الله. اذكروا الله تعالى بجوارحكم بفعل الطاعات وترك المعاصي فإن كل فعل أو ترك تقومون به طاعة لله وتقربًا إليه فهو من ذكر الله. أكثروا من ذكر الله تعالى ولا تكونوا ممن أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطًا. أكثروا من ذكر الله قبل أن يحال بينكم وبينه إما بالموت أو بالعجز أو بحرمانكم منه عقوبة على غفلتكم. لا يشغلنك أيها المسلم عن ذكر الله مال ولا بنون فإنما: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] والباقيات الصالحات كل عمل صالح وعلى رأسها قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عباد الله: إن ذكر الله تعالى غنيمة وربح وإن الغفلة عن ذكره غرم وخسارة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم»، والترة النقص والحرمان.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم اجعلنا في أهلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، من الذين اغتنموا أوقاتهم بالباقيات
[ ٢٨٠ ]
الصالحات واعصمنا يا مولانا من الغفلة عن ذكرك ومن التشاغل بما لا يقربنا إليك ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم (١) .
_________________
(١) انظر الضياء اللامع لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ص ٣٧٤.
[ ٢٨١ ]