يقول ابن الجوزي (٢): "ليس في التكليف أصعب من الصبر في القضاء، ولا فيه أفضل من الرضا به"، ومن تأمل بحر الدنيا، وعلم كيف تتلقى الأمواج، وكيف يصبر على مدافعة الأيام، لم يتهول نزول بلاء، ولم يفرح بعاجل رخاء، فلا تتألم على فوات حظوظ الحياة، وأنزل ما أصابك من ذلك، ثم انقطع منزلة ما لم يصب، وأنزل ما طلبت من ذلك، ثم لم تدركه منزلة ما لم يطلب.
يقول ابن القيم (٣): "قال لي شيخ الإسلام مرة: العوارض والمحن هي كالحر والبرد، فإذا علم العبد أنه لابد منهما لم يغضب لورودها، ولم يغتم لذلك ولم يحزن".
فطوارق الحياة هموم، والناس فيها معذبون على قدر هممهم بها، الفرح بها وعين المحزون عليه، آلامها متولدة من لذاتها، وأحزانها من أفراحها، يقول أبو الدرداء: "من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها".
فأيقن بقدر الله وخلقه وتدبيره، واصبر على بلائه وحكمه، واستسلم
_________________
(١) الفوائد ص٣٢.
(٢) صيد الخاطر ص٩١.
(٣) مدارج السالكين ٣/ ٣٨٩.
[ ٥٩ ]
لأمره فالدنيا طافحة بالأنكاد والأكدار، مطبوعة على المشاق والأهوال. قال ابن مفلح (١): "وكان شيخ الإسلام كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا حتى يرى خبرًا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها صفوًا من الأقذار والأكدار
وكن مؤمنًا بالأقدار، فالإيمان بها ركن من أركان الدين، وليس كل ما يتمنى يدرك، وبالإلحاح في الدعاء والتوجه إلى الله بالكلية، تفتح الأبواب ويتحقق المرغوب، وأجمع اليأس مما في أيدي الناس تكن أغناهم ولا تقنط فتخذل، وتذكر كثرة نعم الله عليك، وادفع الحزن بالرضا بمحتوم القضاء، فطول الليل وإن تناهى فالصبح له انفلاج، وآخر الهم أول الفرج، واضرع إلى الله يزهو نحوك الفرج، وما تجرع كأس الصبر معتصم بالله إلا أتاه المخرج.