حقيقة العلو إنما هو القرب من الله، والتمايز إنما يكون بالتقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
والتزخرف في الملبس والصورة لا يغني عن الله شيئًا، قال ﵊: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». (رواه مسلم).
واحتقار الآخرين لقلة ذات أيديهم أو جاههم أو عدم حسن صورتهم ضعف في العقل، ونقص في كمال الإدراك، وقلة في الإيمان، فالحياة وزينتها وغناها وجاهها وزخرفها دول بين الخلق، فكم من فقير اغتنى، وكم من وضيع شرف، والمحتقر على وجل من زوال نعمة غناه أو جاهه أو مكانته أو صورته.
والتواضع للخلق آية على صحة الإيمان، وكمال في العقل، ورأفة في القلب، قال ابن رجب (١): "وقد يكون كثير ممن له صورة حسنة أو مال أو جاه أو رياسة في الدنيا قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبه مملوءًا من التقوى، فيكون أكرم عند الله، بل ذلك هو الأكثر
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ١/ ٢٧٦.
[ ٨٦ ]
وقوعًا كما في الصحيحين عن النبي - ﷺ - قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مُتضعِّف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جوَّاظ مستكبر». (متفق عليه).
وفي التواضع رفعة الدنيا والآخرة، يقول النبي - ﷺ -: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (رواه مسلم). وكان شيخ المحدثين أبو موسى المدني يقرئ الصبيان القرآن في الألواح مع جلالة قدره وعلو منزلته. والمتواضع من إذا رأى أحدًا قال: هذا أفضل مني. يقول الشافعي: "أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره وأكبر الناس فضلًا من لا يرى فضله".
[ ٨٧ ]