لا ريب أنَّ التسبيح يُعدُّ من الأصول المهمّة والأُسُس المتينة التي ينبني عليها المُعتَقَد فيما يتعلّق بمعرفة الربّ - ﵎ - وأسمائه وصفاته، إذ إنَّ المُعتَقَدَ في الأسماء والصفات يقوم على أصلين عظيمين وأساسين متينين هما الإثبات للصفات بلا تمثيل، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات بلا تعطيل.
والتسبيح هو التنزيه، فأصل هذه الكلمة من السَّبح وهو البُعد، قال.
[ ٥٥ ]
الأزهري في تهذيب اللغة: "ومعنى تنزيه الله من السوء تبعيده منه، وكذلك تسبيحه تبعيده، من قولك: سبحتُ في الأرض إذا أبعدتَ فيها، ومنه قوله جلّ وعزّ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١، وكذلك قوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ ٢"٣.
فالتسبيح هو إبعادُ صفات النقص من أن تُضافَ إلى الله، وتنزيهُ الربِّ سبحانه عن السوء وعمَّا لا يليقُ به، "وأصلُ التسبيح لله عند العرب التنزيه له من إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبرئة له من ذلك"٤.
وقد ورد هذا المعنى في تفسير التسبيح في حديث يُرفع إلى النبيِّ ﷺ إلاَّ أنَّ في إسناده كلامًا، فقد روى الحاكمُ في المستدرك عن عبد الرحمن ابن حمّاد، ثنا حفص ابن سليمان، ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن تفسير سبحان الله، فقال: "هو تنزيه الله عن كلِّ سوءٍ". قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقّبه الذهبي في تلخيصه للمستدرك بقوله: "بل لم يصح فإن طلحة منكر الحديث، قاله البخاري، وحفصٌ واهي الحديث، وعبد الرحمن، قال أبو حاتم: منكر"٥.
ورُويَ الحديثُ من وجه آخر مرسلًا.
وورد في هذا المعنى آثارٌ عديدةٌ عن السلف - ﵏ -، روى جملةً منها الطبريُّ في تفسيره والطبرانيُّ في كتابه الدعاء في باب: تفسير سبحان الله٦،
_________________
(١) ١ سورة: يس، الآية: (٤٠) . ٢ سورة: النازعات، الآية: (٣) . ٣ تهذيب اللغة (٤/٣٣٨) . ٤ جامع البيان لابن جرير (١/٢١١) . ٥ المستدرك (١/٥٠٢) . ٦ الدعاء للطبراني (٣/١٥٩١ وما بعدها) .
[ ٥٦ ]
وغيرهما من أهل العلم، منها:
ما جاء عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: "سبحان الله: تنزيه الله - ﷿ - عن كُلِّ سُوءٍ".
وعن عبد الله بن بريدة أنَّ رجلًا سأل عليًاّ ﵁ عن سبحان الله فقال: "تعظيم جلال الله".
وجاء عن مجاهد أنه قال: "التسبيح انكفاف الله من كلِّ سوءٍ". قال ابن الأثير في النهاية: "أي: تنزيهه وتقديسه".
وعن ميمون بن مهران قال: "سبحان الله اسم يُعظَّمُ الله به، ويحاشى به من السوء".
وعن أبي عبيدة معمر بن المثنّى قال: "سبحان الله: تنزيه الله وتبرئته".
وعن محمد بن عائشة قال: "تقول العرب إذا أنكرت الشيء وأعظمته سبحان الله، فكأنّه تنزيه الله ﷿ عن كلِّ سوء، لا ينبغي أن يوصف بغير صفته".
والآثار في هذا المعنى عن السلف كثيرة.
ونقل الأزهري في كتابه تهذيب اللغة عن غير واحد من أئمّة اللغة تفسير التسبيح بالمعنى السابق وقال: "وجِماعُ معناه بُعدُه - ﵎ - عن أن يكون له مثلٌ أو شريكٌ أو ضِدٌّ أو نِدٌّ"١.
وبهذه النقول المتقدِّمة يتبيَّنُ معنى التسبيح والمراد به، وأنَّه تنزيه الله ﷿ عن كلِّ نقص وعيبٍ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "والأمر بتسبيحه يقتضي تنزيهه عن كلِّ عَيبٍ وسُوءٍ، وإثباتَ المحامد التي يُحمد عليها،
_________________
(١) ١ تهذيب اللّغة (٤/٣٣٩) .
[ ٥٧ ]
فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده"١. اهـ كلامه - ﵀ -.
وبه يتبيّن أنَّ تسبيحَ الله إنَّما يكون بتبرئة الله وتنزيهه عن كلِّ سوء وعيبٍ، مع إثبات المحامد وصفات الكمال له سبحانه، على وجهٍ يليقُ به، أمَّا ما يفعله المعطِّلةُ من أهل البدع كالمعتزلة وغيرهم من تعطيل للصفات وعدم إثبات لها وجحدٍ لحقائقها ومعانيها بحجة أنَّهم يسبِّحون الله وينزِّهونه، فهو في الحقيقة ليس من التسبيح في شيء، بل هو إنكارٌ وجحودٌ، وضلالٌ وبهتانٌ، ولذا يقول ابن هشام النحوي في كتابه مغني اللبيب: "ألا ترى أنَّ تسبيحَ المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات"٢.
ويقول ابن رجب ﵀ في معنى قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ٣ أي: "سبِّحه بما حمد به نفسه؛ إذ ليس كلُّ تسبيحٍ بمحمود، كما أنَّ تسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات"٤.
وقوله - ﵀ -: "إذ ليس كلُّ تسبيح بمحمود" كلامٌ في غاية الأهميَّة والدقَّة؛ إذ إنَّ تسبيح الله بإنكار صفاته وجحدها وعدم إثباتها أمرٌ لا يُحمد عليه فاعله، بل يُذمُّ غايةَ الذمِّ، ولا يكون بذلك من المسبِّحين بحمد الله، بل يكون من المعطّلين المنكرين الجاحدين، من الذين نزّه الله نفسه عن قولهم ووصفهم بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٥. فسبّح الله نفسه عمّا وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه في الله من النقص والعيب.
_________________
(١) ١ دقائق التفسير لابن تيمية (٥/٥٩) . ٢ مغني اللبيب (١/١٤٠)، مع أنَّه وقع في بعض ذلك، غفر الله له ورحمه. ٣ سورة: الحِجر، الآية: (٩٨) . ٤ تفسير سورة النصر (ص:٧٣) . ٥ سورة: الصافات، الآيات: (١٨٠ - ١٨٢) .
[ ٥٨ ]
إنَّ تسبيحَ الله وتنزيهَه وتقديسَه وتعظيمَه يجب أن يكون وفق الضوابط الشرعيّة، وعلى ضوء الأدلّة النقليّة، ولا يجوز بحال أن يُبنى ذلك على الأهواء المجرّدة، أو الظنون الفاسدة، أو الأقيسة العقليّة الكاسدة كما هو الشأن عند أرباب البدع المعطّلين لصفات الربّ - سبحانه -، ومن كان يعتمد في باب التعظيم على هواه بغير هدى من الله، فإنَّه يزِلُّ في هذا الباب ويقع في أنواع من الباطل وصنوف من الضلال. جاء عن عبد الرحمن بن مهدي ﵀ وقد ذُكر عنده أنَّ الجهميّة ينفون أحاديث الصفات، ويقولون: الله أعظم من أن يوصف بشيء من هذا أنَّه قال: "قد هلك قوم من وجه التعظيم فقالوا: الله أعظم من أن ينزل كتابًا أو يرسل رسولًا ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ ١ ثم قال: هل هلكت المجوس إلاّ من جِهة التعظيم؟ قالوا: الله أعظم من أنْ نعبُدَه، ولكن نعبدُ من هو أقربُ إليه منّا، فعبدوا الشمس وسجدوا لها، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ٢"٣.
وفي كلامه هذا - ﵀ - إشارة إلى أنّ التعظيم والتنزيهَ إنْ لم يكن على هديِ الكتاب والسنة فإنّه يكون غاية التعطيل، ومنتهى الجحود والعياذ بالله، ومن يتأمّل حالَ الطوائف الضالّة والفرق المنحرفة التي سلكت في التنزيه والتعظيم هذا الطريق يجد أنهم لم يستفيدوا من ذلك سوى التنقّص لربّ العالمين وجحد صفات كماله ونعوت جلاله، حتى آل الأمر ببعضهم في التنزيه إلى الاعتقاد بأنّه ليس فوق العرش إله يُعبد ولا ربٌّ يُصلى له ويُسجدُ تعالى الله عمّا
_________________
(١) ١ سورة: الأنعام، الآية: (٩١) . ٢ سورة: الزمر، الآية: (٣) . ٣ ذكره التيمي في الحجة في بيان المحجّة (١/٤٤٠) .
[ ٥٩ ]
يقولون، وسبحان الله عمّا يصفون.
إنّ التسبيحَ طاعةٌ عظيمةٌ وعبادةٌ جليلةٌ، والله - ﵎ - يحبُّ المسبّحين، والواجب على عبد الله المؤمن أن يكون في تسبيحه لربّه على هديٍ مستقيمٍ، فيُسبّح الله وينزّهه عن كلِّ ما لا يليقُ به من النقائص والعيوب ويُثبتُ له مع ذلك نعوتَ جلاله وصفات كماله، ولا يتجاوزُ في ذلك كلِّه كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، كما قال الإمام أحمد - ﵀ -: "لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسولُه ﷺ لا يُتجاوَزُ القرآن والحديث"١. ومن كان على ذلك فهو على هدي قويمٍ، وعلى صراطٍ مستقيمٍ.
_________________
(١) ١ ذكره شيخ الإسلام في الحموية، انظر: مجموع الفتاوى (٥/٢٦) .
[ ٦٠ ]