لقد مرّ معنا شروطُ كلمة التوحيد لا إله إلا الله التي لا بد من توفّرها في العبد لتكون مقبولةً منه عند الله، وهي شروطٌ عظيمةُ الشأن، جليلةُ القدر يجب على كلِّ مسلم أن يُعنى بها عنايةً كبيرةً، ويهتمّ بها اهتمامًا بالغًا، وإنَّ مما ينبغي أن يهتم به المسلم في هذا الباب العظيم معرفةَ نواقض هذه الكلمة ليكون منها على حذر، فإنَّ الله - ﵎ - قد بيّن في كتابه سبيل المؤمنين المحقّقين لهذه الكلمة مفصّلة، وبيّن سبيل المجرمين المخالفين لها مفصّلة، وبيّن سبحانه عاقبة هؤلاء وعاقبة هؤلاء، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلا - سبحانه - الأمرين في كتابِه وكشفَهما وأوضحَهما وبيّنَهما غايةَ البيانِ، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِّعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسآءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢، ومن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبِن له طريقهم أوشك أن يقع في بعض ما هم فيه من الباطل، ولذا قال أمير المؤمنين عمرُ بنُ الخطاب ﵁: "إنَّما تُنقض عرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية"٣.
ولهذا جاءت النصوص الكثيرةُ في الكتاب والسنة المحذرةُ من أسباب الرِّدة وسائر أنواع الشرك والكفر المناقضة لكلمة التوحيد لا إله إلا الله، وقد ذكر العلماء ﵏ في باب حكم المرتدّ من كتب الفقه: أنَّ المسلم قد يرتدُّ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: (٥٥) . ٢ سورة النساء، الآية: (١١٥) . ٣ انظر: الفوائد لابن القيم (ص:٢٠١ وما بعدها) .
[ ٣٨ ]
عن دينه بأنواعٍ كثيرةٍ من النواقض إذا وقع فيها، أو في أيِّ شيء منها ارتَدَّ عن الدِّين وانتقل من الملّة، ولم ينفعه مجرّد التلفّظ ب لا إله إلا الله؛ إذ إنَّ هذه الكلمة العظيمة التي هي خير الذِّكر وأفضله لا تكون نافعة لقائلها إلا إذا أتى بشروطها واجتنب كلَّ أمرٍ يُناقضها.
وما من ريب أنَّ في معرفة المسلم لهذه النواقض فائدةً عظيمةً في دينه، إذا عرفها معرفة يقصد من ورائها السلامة من هذه الشرور، والنجاة من تلك الآفات، ولهذا فإنَّ من عَرَفَ الشركَ والكفرَ والباطلَ وطرقَه وأبغضها وحذرها وحذّر منها ودفعها عن نفسه ولم يدعها تخدش إيمانه، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لتلك الأمور ونفرةً عنها كان له في معرفته هذه من الفوائد والمنافع ما لا يعلمه إلا الله، والله - سبحانه - يُحبُّ أن تُعرف سبيلُ الحق لتُحب وتُسلك، ويحب أن تُعرف سبيل الباطل لتُجتنب وتُبغض؛ إذ إنَّ المسلم كما أنَّه مطالب بمعرفة سبيل الخير ليطبّقها، فهو كذلك مطالب بمعرفة سبل الشر ليحذرها، ولهذا ثبت في الصحيحين عن حذيفة بن اليمان - ﵄ - أنَّه قال: كان الصحابة يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني١. ولهذا - أيضًا - قيل:
عرفت الشرَّ لا للشرِّ ولكن لتوقِّيه ومن لم يعرف الشرَّ من الناس يقع فيه
وإذ كان الأمر بهذه الحال وعلى هذا القدر من الأهمية فإنَّ الواجب على كلِّ مسلم أن يعرف الأمور التي تناقض كلمة التوحيد لا إله إلا الله ليكون منها على حذر، وهي كما تقدّم تنتقض بأمورٍ كثيرةٍ، إلا أنَّ أشدَّ هذه النواقض خطرًا وأكثرها وقوعًا عشرةُ نواقض ذكرها غيرُ واحد من أهل العلم - رحمهم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٣٦٠٦)، وصحيح مسلم (رقم:١٨٤٧) .
[ ٣٩ ]
الله -١، وفيما يلي ذكرٌ لها على سبيل الإيجاز، ليحذرها المسلم وليحذِّر منها غيره من المسلمين رجاءَ السلامة والعافية منها.
أما الأول: فهو الشرك في عبادة الله، قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشآءُ﴾ ٢، وقال - تعالى -: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٣، ومن ذلك دعاءُ الأموات والاستغاثةُ بهم، والنذرُ والذبحُ لهم، ونحو ذلك.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكّل عليهم فقد كفر إجماعًا، قال الله - تعالى -: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ َيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
الثالث: من لم يُكفِّر المشركين أو شَكَّ في كفرهم أو صحّح مذهبهم كَفَر.
الرابع: من اعتقد أنَّ هدي غير النبي ﷺ أكملُ من هديه، أو أنَّ حكم غيره أحسنُ من حكمه، فهو كافرٌ؛ كالذين يفضِّلون حكم الطاغوت على حكمه ﷾.
الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فقد كفر؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٥.
السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر،
_________________
(١) ١ انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/٢٣٢ وما بعدها) . ٢ سورة النساء، الآية: (٤٨) . ٣ سورة المائدة، الآية: (٧٢) . ٤ سورة يونس، الآية: (١٨) . ٥ سورة محمد، الآية: (٩) .
[ ٤٠ ]
والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١.
السابع: السحرُ، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله - تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ ٢.
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله -تعالى: ﴿وَمَن يتولهم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
التاسع: من اعتقد أنَّ بعض الناس يَسَعُه الخروج عن شريعة محمد ﷺ، فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ ٤.
العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلّمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ٥.
فهذه عشرة أمورٍ من نواقض كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فمن وقع في شيء منها - والعياذ بالله انتقض توحيده، وانهدم إيمانه، ولم ينتفع بقوله: لا إله إلا الله. وقد نصّ أهل العلم على أنَّه لا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد، والخائف إلا المكره، وجميع هذه النواقض هي من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، ونسأله - سبحانه - أن يُوفِّقنا جميعا لما يرضيه، وأن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم، إنَّه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: (٦٥،٦٦) . ٢ سورة البقرة، الآية: (١٠٢) . ٣ سورة المائدة، الآية: (٥١) . ٤ سورة آل عمران، الآية: (٨٥) . ٥ سورة السجدة، الآية: (٣٢) .
[ ٤١ ]