المبحث الثالث: في التسبيح فضله ومكانته ومدلوله
المطلب الأول: فضل التسبيح
إنَّ التسبيح له شأن عظيم ومكانة رفيعة؛ إذ هو أحد الكلمات الأربع التي وصفها رسول الله ﷺ بأنَّها خيرُ الكلام وأحبُّه إلى الله، وذلك في قوله ﷺ: "أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ١، وقد مرّ معنا جملة طيّبة من أحاديث النبيّ ﷺ في تفضيل هؤلاء الكلمات، وبيان ما لهنّ من منزلةٍ عاليةٍ ومكانةٍ رفيعةٍ.
وكلمة: سبحان الله، التي هي إحدى هؤلاء الكلمات لها شأن عظيم، فهي من أجلِّ الأذكار المقربة إلى الله، ومن أفضل العبادات الموصلة إليه، وقد جاء في بيان فضلها وشرفها وعِظم قدرها نصوصٌ كثيرة في الكتاب والسنة، بل إنَّ ما ورد في ذلك لا يُمكن حصرُه لكثرته وتعدّده، وقد ورد ذكر التسبيح في القرآن الكريم أكثر من ثمانين مرة، بصِيغ مختلفة وأساليب متنوِّعة، فورد تارة بلفظ الأمر كما في قوله –تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢، وتارة بلفظ الماضي كما في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٣، وتارة بلفظ المضارع كما في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ٤، وتارة بلفظ المصدر كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢١٣٧) . ٢ سورة الأحزاب، الآية: (٤١ - ٤٢) . ٣ سورة الحشر، الآية: (١) . ٤ سورة الجمعة، الآية: (١) .
[ ٤٢ ]
وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ١.
وقد ذكر الله ﷾ التسبيح في مُفتتح ثَماني سُوَر من القرآن الكريم، فقال تعالى في أول سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢، وقال تعالى في أول سورة النحل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣، وقال تعالى في أوّل سورة الحديد: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٤، وقال تعالى في أوّل سورة الحشر: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٥، وقال تعالى في أول سورة الصف: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٦، وقال تعالى في أول سورة الجمعة: ﴿يُسَبِّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ٧، وقال تعالى في أول سورة التغابن: ﴿يُسَبِّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٨، وقال تعالى في أول سورة الأعلى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى﴾ ٩.
قال بعض أهل العلم١٠: والتسبيح ورد في القرآن على نحو من ثلاثين
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآية: (١٨٠ - ١٨٢) . ٢ سورة الإسراء، الآية: (١) . ٣ سورة النحل، الآية: (١ - ٢) . ٤ سورة الحديد، الآية: (١) . ٥ سورة الحشر، الآية: (١) . ٦ سورة الصف، الآية: (١) . ٧ سورة الجمعة، الآية: (١) . ٨ سورة التغابن، الآية: (١) . ٩ سورة الأعلى، الآية: (١ - ٥) . ١٠ انظر: بصائر ذوي التمييز للفبروزابادي (٢/٢٨٥ وما بعدها) .
[ ٤٣ ]
وجهًا، ستةٍ منها للملائكة، وتسعةٍ لنبيّنا محمد ﷺ، وأربعةٍ لغيره من الأنبياء، وثلاثةٍ للحيوانات والجمادات، وثلاثةٍ للمؤمنين خاصة، وستةٍ لجميع الموجودات.
أما التي للملائكة فمنها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، الآية١، وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ٤.
وأما التي لنبيّنا ﷺ فمنها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ٧.
وأما التي للأنبياء فقول الله - تعالى - لزكريا ﵇: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ ٨، وقوله - تعالى - عن زكريا ﵇ في وصيّته لقومه بالمحافظة على التسبيح: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًاّ﴾ ٩، وقوله - تعالى - عن يونس ﵇ في إنجائه من ظلمات البحر وبطن الحوت لملازمته للتسبيح: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية: (٧) . ٢ سورة فصّلت، الآية: (٣٨) . ٣ سورة الأنبياء، الآية: (١٩ - ٢٠) . ٤ سورة الصافات، الآية: (١٦٥ - ١٦٦) . ٥ سورة الحجر، الآية: (٩٨ - ٩٩) . ٦ سورة الإنسان، الآية: (٢٦) . ٧ سورة النصر، الآية: (٣) . ٨ سورة آل عمران، الآية: (٤١) . ٩ سورة مريم، الآية: (١١) .
[ ٤٤ ]
مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ١.
وأما التي للمؤمنين فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَبَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ﴾ ٤، الآية.
وأما التي في الحيوانات والجمادات فمنها قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ وَالإِشْرِاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ٧.
وأما التي لعموم المخلوقات فمنها قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٨، وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآية: (١٤٣، ١٤٤) . ٢ سورة الأحزاب، الآية: (٤١، ٤٢) . ٣ سورة السجدة، الآية: (١٥) . ٤ سورة النور، الآية: (٣٦،٣٧) . ٥ سورة الإسراء، الآية: (٤٤) . ٦ سورة ص، الآية: (١٨،١٩) . ٧ سورة النور، الآية: (٤١) . ٨ سورة الحشر، الآية: (١) . ٩ سورة التغابن، الآية: (١) .
[ ٤٥ ]
وقد ذكر الله - تعالى - لفظة ﴿سُبْحَانَ﴾ في القرآن في خمسة وعشرين موضعًا، في ضمن كلِّ واحد منها إثباتُ صفة من صفات المدح، أو نفيُ صفة من صفات الذم١، منها قوله تعالى: ﴿سُبْحاَنَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًاّ وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ ٧.
فهذه النصوص القرآنية الكريمة وما جاء في معناها في كتاب الله تدل أوضح دلالة على جلالة قدر التسبيح، وعظيم شأنه من الدين، وأنَّه من أجَلِّ الأذكار المشروعة، ومن أنفع العبادات المقربة إلى الله ﷿.
وقد دلّت السنة النبوية - أيضًا - على فضل التسبيح وعظيم مكانته عند الله من وجوه كثيرة، بل إنَّ السنةَ مليئةٌ بالنصوص الدّالة على عظيم شأن التسبيح، وشريف قدره، وجزيل ثواب أهله، وبيان ما أعدّ الله لهم من أجورٍ كريمةٍ، وأفضالٍ عظيمةٍ، وعطايا جمَّةٍ. وقد تضمّنت تلك النصوص الدلالةَ على
_________________
(١) ١ انظر: بصائر ذوي التمييز للفيروزابادي (٣/١٧٦) . ٢ سورة البقرة، الآية: (١١٦) . ٣ سورة الصافات، الآية: (١٨٠ - ١٨٢) . ٤ سورة الطور، الآية: (٤٣) . ٥ سورة الروم، الآية: (١٧،١٨) . ٦ سورة الزخرف، الآية: (٨٢) . ٧ سورة يونس، الآية: (١٠) .
[ ٤٦ ]
ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ:
ومن ذلك أنَّ النبيّ ﷺ أخبر أنَّ التسبيح أفضل الكلام وأحبُّه إلى الله، وقد سبق أنْ مرَّ معنا قولُ النبيِّ ﷺ: "أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر" ١.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله ﷺ سُئِل: أيُّ الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لِعباده: سبحان الله وبحمده"٢.
وفي لفظ آخر للحديث أنَّ أبا ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أُخبرُك بأحبِّ الكلام إلى الله؟ قلتُ: يا رسول الله أخبرني بأحبِّ الكلام إلى الله. قال: إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده" ٣. فدلّ هذا الحديث على عظيم مكانة هذه الكلمة عند الله ﷿.
ومِن فضائل التسبيح ما أخبر به النبيُّ ﷺ أنَّ مَن قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّة حُطَّت عنه ذنوبُه ولو كثُرت. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البحر" ٤.
وثبت عنه ﷺ أنَّ من قالها في الصّباح مائة مرّة وفي المساء مائة مرّة، لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ مَن قال مثل ذلك وزاد عليه. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن قال حين يُصبحُ وحين يُمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرّة لم يأتِ أحدٌ يومَ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢١٣٧) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٢٧٣١) . ٣ صحيح مسلم (رقم:٢٧٣١) . ٤ صحيح البخاري (رقم:٦٤٠٥)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩١) .
[ ٤٧ ]
القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ أَحدٌ قال مثل ما قال أو زاد عليه" ١.
وثبت عنه ﷺ أنَّ من قالها في يومٍ مائة مرّة كُتبت له ألفُ حسنةٍ أو حُطَّت عنه ألفُ خطيئةٍ، والحسنةُ بِعشر أمثالها. روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁ قال: كُنَّا عند رسول الله ﷺ فقال: "أيَعجزُ أحدُكم أن يكسب كلَّ يومٍ ألفَ حسنةٍ؟ فسأله سائلٌ من جلسائِه: كيف يكسب أحدُنا ألفَ حسنة؟ قال: يسبِّح مائة تسبيحة فيُكتبُ له ألفُ حسنةٍ أو يُحطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ" ٢.
ومما ورد في فضل التسبيح إخبار النبيِّ ﷺ عن ثِقل التسبيح في الميزان يوم القيامة مع خفّة ويسر العمل به في الدنيا. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كلمتان حبيبتان إلى الرّحمن، خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ٣.
وقوله ﷺ في الحديث: "كلمتان" هي خبرٌ مقَدَّمٌ مُبتَدَؤُه "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"، قال بعض أهل العلم: "والنكتة في تقديم الخبر تشويقُ السّامع إلى المبتدأ، وكلَّما طال الكلام في وصف الخبر حسُن تقديمه؛ لأنَّ كثرةَ الأوصاف الجميلة تزيد السّامع شوقًا"٤. وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بثلاثة أوصاف جميلةٍ عظيمةٍ، وهي: أنَّهما حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان.
وقد خُصَّ لفظ الرحمن بالذِّكر هنا؛ لأنَّ المقصود من الحديث بيانُ سعة رحمة
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٦٩٢) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٢٦٩٨) . ٣ صحيح البخاري (رقم:٦٤٠٦)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩٤) . ٤ فتح الباري لابن حجر (١٣/٥٤٠) .
[ ٤٨ ]
الله - تعالى - على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، فما أيسرَ النطق بهاتين الكلمتين على اللسان، وما أعظم أجر ذلك وثوابه عند الكريم الرحمن، وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بالخفّة والثقل، الخفّةِ على اللسان والثقلِ في الميزان، لبيان قلّة العمل وكثرة الثواب. فما أوسعَ فضلَ الله! وما أعظمَ عطاءَه!
ومن فضائل هذه الكلمة العظيمة، ما رواه الترمذي، وابن حبّان، والحاكم، وغيرهم، من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمده غُرست له نخلةٌ في الجنَّةِ" ١، وله شاهدان:
أحدهما: من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - موقوفًا، خرّجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه٢.
والآخر: من حديث معاذ بن سهل مرفوعًا، خرّجه الإمام أحمد في مسنده٣.
ومن فضائل هذه الكلمة ما رواه الطبراني، والحاكم، من حديث نافع بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن قال سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقالها في مجلس ذكرٍ كانت كالطّابع يطبع عليه، ومَن قالها في مجلس لغوٍ كانت كفَّارة له".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصحّحه العلاّمة الألبانيُّ٤.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي (رقم:٣٤٦٤)، وصحيح ابن حبان (رقم:٨٢٦،٨٢٧)، ومستدرك الحاكم (١/٥٠١)، وصححه العلاّمة الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم:٦٤) . ٢ المصنف (٦/٥٦) . ٣ المسند (٣/٤٤٠) . ٤ المعجم الكبير (رقم:١٥٨٦)، والمستدرك (١/٥٣٧)، والسلسلة الصحيحة (رقم:٨١) .
[ ٤٩ ]
وروى الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن جلس في مجلس فكثُر فيه لغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلاّ غُفر له ما كان في مجلسه ذلك" ١.
فهذه جملةٌ من الأحاديث الواردة في التسبيح والدّالة على عظيم فضله وثوابه عند الله، وفي أكثر هذه الأحاديث قُرن مع التسبيح حمدُ الله - تعالى -؛ وذلك لأنَّ التسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب، والتحميدُ فيه إثباتُ المحامد كلّها لله ﷿، والإثبات أكملُ مِنَ السّلب، ولهذا لم يَرِد التسبيحُ مجرّدًا، لكن ورد مقرونًا بما يدلّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقرنُ بالحمد كما في هذه النصوص، وتارةً يُقرنُ باسم من الأسماء الدّالة على العظمة والجلال، كقول: سبحان الله العظيم، وقول: سبحان ربّي الأعلى، ونحو ذلك٢.
والتنزيه لا يكون مدحًا إلاّ إذا تضمّن معنىً ثبوتيًّا، ولهذا عندما نزَّه الله - ﵎ - نفسه عمّا لا يليق به ممّا وصفه به أعداء الرُّسل سلَّم على المرسلين الذين يثبتون لله صفات كماله ونعوت جلاله على الوجه اللاّئق به، وذلك في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٣، وفي هذه الآية - أيضًا - حمد الله نفسه بعد أن نزّهها؛ وذلك لأنَّ الحمدَ فيه إثباتُ كمال الصفات، والتسبيحَ فيه تنزيه الله عن النّقائص والعيوب، فجمع في الآية بين التنزيه عن العيوب بالتسبيح وإثبات
_________________
(١) ١ سنن الترمذي (رقم:٣٤٣٣)، وصحيح ابن حبان (رقم:٥٩٤)، والمستدرك (١/٥٣٦)، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم:٦١٩٢) . ٢ انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص:٢٠٤) . ٣ سورة الصافات، الآيات (١٨٠ - ١٨٢) .
[ ٥٠ ]
الكمال بالحمد، وهذا المعنى يرِد في القرآن والسنّة كثيرًا، فالتسبيحُ والحمدُ أصلان عظيمان وأساسان متينان يقوم عليهما المنهجُ الحقُّ في توحيد الأسماء والصفات، وبالله وحده التوفيق.
[ ٥١ ]