المبحث الرابع: في الحمد، فضله وأنواعه ودلالته
المطلب الأول: فضلُ الحمدِ والأدلَّةُ عليه
تناولتُ فيما سبق بيان فضلِ كلمة التوحيد لا إله إلا الله وفضلِ التسبيح، وهما إحدى الكلمات الأربع التي وصفها رسول الله ﷺ بأنّها أحبّ الكلام إلى الله، وتناولتُ فيها جملة من الأمور المهمّة المتعلّقة بهاتين الكلمتين العظيمتين، وأبدأ الحديث هنا عن الحمد (حمد الله - ﵎-)، فإنّ له شأنًا عظيمًا وفضلًا كبيرًا، وثوابُه عند الله عظيمٌ، ومنزلته عنده عالية.
فقد افتتح - سبحانه - كتابه القرآن الكريم بالحمد فقال: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وافتتح بعض السور فيه بالحمد، فقال في أول الأنعام: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، وقال في أوَّلِ الكهف: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، وقال في أول سبأ: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾، وقال في أول فاطر: ﴿الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلاَئِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ ورُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وافتتح خلقَه بالحمد فقال: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ﴾ ١، واختتمه بالحمد فقال بعد ما ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَتَرَى المَلآئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٢، وقال - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
_________________
(١) ١ سورة: الأنعام، الآية: (١) . ٢ سورة: الزمر، الآية: (٧٥) .
[ ٦١ ]
الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ١.
فالحمد له - سبحانه - أوَّله وآخره، وله الحمد في الأولى والآخرة أي: في جميع ما خلق وما هو خالق، كما قال - سبحانه -: ﴿وَهُوَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢، وقال - سبحانه -: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ٣، فهو سبحانه المحمود في ذلك كلِّه كما يقول المصلي: "اللهمّ ربّنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئتَ من شيء بعد".
فهذه النصوصُ دالّةٌ على شُمولِ حمده - سبحانه - لخلقِه وأمرِه، فهو سبحانه حمد نفسه في أول الخلق وآخره، وعند الأمر والشرع، وحمد نفسه على ربوبيته للعالَمين، وحمد نفسه على تفرّده بالإلهية وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٤، وحمد نفسه على علوّه وكبريائه كما قال - سبحانه -: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ وَلَهُ الكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٥، وحمد نفسه في الأولى والآخرة، وأخبر عن سريان حمده في العالم العلوي والسفلي، ونبّه على هذا كلّه في كتابه في آيات عديدة تدل على تنوّع حمده -
_________________
(١) ١ سورة: يونس، الآية: (١٠) . ٢ سورة: القصص، الآية: (٧٠) . ٣ سورة: سبأ، الآية: (١) . ٤ سورة: الإسراء، الآية: (١١١) . ٥ سورة: الجاثية، الآيات: (٣٦، ٣٧) .
[ ٦٢ ]
سبحانه -، وتعدّد أسباب حمده، وقد جمعها الله في مواطن من كتابه، وفرّقها في مواطن أخرى ليتعرّف إليه عباده، وليعرفوا كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبّب إليهم بذلك، ويحبّهم إذا عرفوه وأحبّوه وحمدوه١.
وقد ورد الحمد في القرآن الكريم في أكثر من أربعين موضعًا، جُمع في بعضها أسباب الحمد، وفي بعضها ذُكرت أسبابه مفصّلةً، فمن الآيات التي جُمع فيها أسباب الحمد قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ﴾ ٢، وقوله: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ٣.
ومن الآيات التي ذُكر فيها أسباب الحمد مفصّلة قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ ٤، ففيها حمده على نعمة دخول الجَنّة. وقوله - تعالى -: ﴿فَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجّاَنَا مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٥، ففيها حمده على النصر على الأعداء والسلامة من شرّهم. وقوله - تعالى -: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٦، ففيها حمده على نعمة التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده. وقوله - تعالى -: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ ٧، ففيها حمده - سبحانه- على هبة الولد. وقوله - تعالى -: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ
_________________
(١) ١ انظر: طريق الهجرتين لابن القيّم (ص:٢٢٨) . ٢ سورة: القصص، الآية: (٧٠) . ٣ سورة: سبأ، الآية: (١) . ٤ سورة: الأعراف، الآية: (٤٣) . ٥ سورة: المؤمنون، الآية: (٢٨) . ٦ سورة: غافر، الآية: (٦٥) . ٧ سورة: إبراهيم، الآية: (٣٩) .
[ ٦٣ ]
الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا﴾ ١، ففيها حمده - سبحانه - على نعمة إنزال القرآن الكريم قيّمًا لا عِوج فيه ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ ٢. وقوله - تعالى -: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٣ ففيها حمده - سبحانه - لكماله وجلاله، وتنزّهه عن النقائص والعيوب، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله - ﵎ - هو الحميد المجيد.
و«الحميد» اسم من أسماء الله الحسنى العظيمة، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في أكثر من خمسة عشر موضعًا، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٤، وقوله - تعالى -: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٥، وقوله - تعالى -: ﴿للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٦، وقوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٧، وقوله - تعالى -: ﴿فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ٨، فهو - ﵎ - الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو - ﵎ - المستحق لكل حمد ومحبة وثناء لما اتصف
_________________
(١) ١ سورة: الكهف، الآية: (١) . ٢ سورة: الكهف، الآية: (٢) . ٣ سورة: الإسراء، الآية: (١١١) . ٤ سورة: فاطر، الآية: (١٥) . ٥ سورة: البقرة، الآية: (٢٦٧) . ٦ سورة: لقمان، الآية: (٢٦) . ٧ سورة: الشورى، الآية: (٢٨) . ٨ سورة: النساء، الآية: (١٣١) .
[ ٦٤ ]
به من صفات الحمد التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال.
وكما أنّ القرآن الكريم قد دلّ على فضل الحمد وعِظم شأنه بأنواع كثيرة من الأدلة، فكذلك السنة مليئةٌ بذكر الأدلة على فضل الحمد وعِظم شأنه، وما يترتّب عليه من الفوائد والثمار والفضائل في الدنيا والآخرة، ونبيّنا ﷺ هو صاحب لواء الحمد، وهذه مفخرةٌ عظيمةٌ ومكانةٌ رفيعةٌ حظيَ بها - صلوات الله وسلامه عليه -، روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواءُ الحمد ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذ آدم فمَن سواه إلاّ تحت لوائي، وأنا أول شافعٍ، وأوّل مشفّعٍ ولا فخر" ١. فلمّا كان - صلوات الله وسلامه عليه - أحمدَ الخلائق لله، وأكملَهم قيامًا بحمده أُعطي لواءَ الحمد، ليأوي إلى لوائه الحامدون لله من الأولين والآخرين، وإلى هذا أشار ﷺ عندما قال في الحديث: "وما من نبيٍّ يومئذ آدم فمَن سواه إلاّ تحت لوائي"، وهو لواءٌ حقيقيٌّ يحمله النبيُّ ﷺ يوم القيامة بيده ينضوي تحته وينضمّ إليه جميعُ الحمّادين من الأولين والآخرين، وأقربُ الخلق إلى لوائه أكثرُهم حمدًا لله وذِكرًا له وقيامًا بأمره، وأمّتُه ﷺ هي خيرُ الأمم، وهم الحمّادون الذين يحمدون الله على السرّاء والضرّاء، وقد رُوي في الحديث أن النبي ﷺ قال: "أوَّلُ من يُدعى إلى الجنّة الحمّادون، الذين يحمدون الله في السرّاء والضرّاء"، رواه الطبراني في المعجم الكبير، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم في المستدرك، لكن في إسناده ضعف، وقد رواه ابن المبارك في الزهد بسند صحيح موقوفًا على سعيد
_________________
(١) ١ المسند (٣/٢)، وسنن ابن ماجه (رقم:٤٣٠٨)، وسنن الترمذي (٣٦١٥) .
[ ٦٥ ]
ابن جُبير - ﵀١.
وجاء في أثر يُروى عن كعب قال: "نجده مكتوبًا محمّدٌ رسول الله ﷺ، لا فظٌّ ولا غليظٌ، ولا صخّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيّئة السيّئة، ولكنه يعفو ويغفر، وأمّتُه الحمّادون يكبِّرون الله ﷿ على كلِّ ن-جدٍ، ويحمدونه في كلِّ منزلة "، رواه الدارمي في مقدّمة سننه٢.
وفي الجَنّة بيتٌ يُقال له بيتُ الحمد، خُصَّ للذين يحمدون الله في السرّاء والضراء ويصبرون على مُرِّ القضاء، روى الترمذي بإسناد حسن عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات ولَدُ العبد قال الله - تعالى - لملائكته: قبضتُم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدَك واسترجع. فيقول الله - تعالى -: ابنوا لعبدي بيتًا في الجَنّة وسمُّوه بيتَ الحمد" ٣. فهذا حَمِدَ الله على الضرّاء فنال بحمده هذه الرتبة العلية، ولكن كيف يبلغ العبدُ هذه المنزلة، وكيف يصل إلى هذه الدرجة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "والحمد على الضرّاء يوجبه مشهدان:
أحدهما: علم العبد بأنّ الله - سبحانه - مستوجبٌ ذلك، مستحقٌّ له بنفسه، فإنّه أحسنَ كلَّ شيء خلقه، وأتقن كلَّ شيء، وهو العليم الحكيم، الخبير الرحيم.
والثاني: علمُه بأنّ اختيارَ الله لعبدِه المؤمن خيرٌ من اختياره لنفسه، كما
_________________
(١) ١ انظر: السلسة الضعيفة للألباني (٢/٩٤) . ٢ سنن الدارمي (١/١٦) . ٣ سنن الترمذي (رقم:١٠٢١)، وحسّنه العلاّمة الألباني في الصحيحة (رقم:١٤٠٨) .
[ ٦٦ ]
روى مسلمٌ في صحيحه وغيرُه عن النبي ﷺ أنَّه قال: "والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلاّ كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلاّ للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإنْ أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيرًا له" ١، فأخبر النبي ﷺ أنّ كلَّ قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السرّاء فهو خير له"٢. اهـ.
فإذا عَلم ذلك العبدُ وتيقّنه أقبل على حمد الله في أحواله كلِّها في سرّائه وضرّائه، وفي شدّته ورخائه، ثم هو في حال شدّته لا ينسى فضلَ الله عليه وعطاءَه ونعمتَه.
جاء رجلٌ إلى يونس بن عبيد - ﵀ - يشكو ضيقَ حاله، فقال له يونس: "أيسُرُّك ببصرك هذا مائةَ ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيديك مائة ألفِ؟ قال: لا، قال: فبرجليك مائةُ ألفِ؟ قال: لا. قال: فذكّره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة".
وجاء عن سلمان الفارسي ﵁ أنَّه قال: "إنّ رجلًا بُسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه، فجعل يحمدُ الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراشٌ إلاّ بارِيَّةٌ٣، قال: فجعل يحمدُ الله ويثني عليه، وبُسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب الباريّة: أرأيتك أنت على ما تحمد الله؟ قال: أحمده على ما لو أُعطيت به ما أُعطي الخلق لم أعطِهم إيّاه. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيتك بصرك، أرأيتك
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٩٩٩) بلفظ: "عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمره كلَّه خير، وليس ذلك "، الحديث. ٢ مجموع الفتاوى (١٠/٤٣، ٤٤) . ٣ الحصير المنسوج. القاموس المحيط (ص:٤٥٢) .
[ ٦٧ ]
لسانك، أرأيتك يديك، أرأيتك رجليك" ١.
وثبت في فضل الحمد ما رواه الترمذي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الذِكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله" ٢، فجعل - صلوات الله وسلامه عليه - حمدَ الله أفضلَ الدعاءِ، مع أنَّ الحمد إنّما هو ثناءٌ على المحمود مع حبِّه، ولهذا سُئل ابن عيينة - ﵀ - عن هذا الحديث فقيل له: كأنّ الحمد لله دعاء؟ فقال: "أما سمعتَ قولَ أمية بن أبي الصلت لعبد الله ابن جدعان يرجو نائلة:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتَك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرءُ يوما كفاه من تعرضه الثناءُ
كريم لا يغيره صباحٌ عن الخلق الجميلِ ولا مساءُ
فهذا مخلوقٌ اكتفى من مخلوقٍ بالثناء عليه، فكيف بالخالق سبحانه".
ويؤيّد هذا المعنى قولُ الله - تعالى -: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٣، فجعل الحمدَ دعاء.
قال ابن القيّم - ﵀ -: "الدعاء يُراد به دعاءُ المسألة ودعاء العبادة، والمُثنِي على ربّه بحمده وآلائه داعٍ له بالاعتبارين، فإنَّه طالبٌ منه، طالبٌ له، فهو الداعي حقيقة، قال تعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٤"٥.
_________________
(١) ١ ذكرهما ابن القيّم في عِدة الصابرين (ص:١٦٧) . ٢ سنن الترمذي (رقم:٣٣٨٣)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٨٠٠)، وحسّنه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم:١١٠٤) . ٣ سورة: يونس، الآية: (١٠) . ٤ سورة: غافر، الآية: (٦٥) . ٥ صيغ الحمد المطبوع باسم مطالع السعد (ص:٩٠) .
[ ٦٨ ]
وممّا ورد في فضل الحمد وعِظم ثوابه عند الله ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعريِّ ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ: "الطَهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصَّبرُ ضِياءٌ، والقرآن حجّةٌ لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتقُها أو موبقُها" ١.
فأخبر ﷺ في هذا الحديث عن عظيم فضل الحمد وعظيم ثوابه، وأنَّه يملأ الميزان، وقد قيل: إنَّ المراد بِملئه الميزان أي: لو كان الحمد جسمًا لملأ الميزان، وليس بسديد، بل إنَّ الله ﷿ يمثّل أعمال بني آدم وأقوالهم صُوَرًا يوم القيامة وتوزن حقيقةً، ومن ذلك قوله ﷺ كما في الصحيحين: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" ٢.
فالحمد شأنُه عظيمٌ، وثوابُه جزيلٌ، ويترتّب عليه من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلاّ الله، وأهله هم الحَرِيُّون يوم القيامة بأعلى المقامات وأرفع الرُّتب وأعلى المنازل، فإنّ الله ﷿ يحبُّ المحامدَ، ويحبُّ من عبده أن يُثنيَ عليه، ويرضى عن عبده أن يأكلَ الأكْلةَ فيحمده عليها، ويشربَ الشربَةَ فيحمده عليها، وهو - ﵎ - المانُّ عليهم بالنعمة والمتفضِّل عليهم بالحمد، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلبُ منهم الثناءَ بها وذكرها والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحبُّ ذلك من عباده حيث كان صلاحُ العبد وفلاحُه وكمالُه فيه، فلله الحمد على نعمائه، وله الشكر على وافر فضله وجزيل عطائه حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا كما يحبُّ ربُّنا ويرضى.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٢٣) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٦٠٤٩)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩٤) .
[ ٦٩ ]