الله ﷾ هو المنفرد بالخلق والاختيار من المخلوقات، قال الله تعالي "وربك يخلق ما يشاء ويختار" والوقف التام على قوله "ويختار" ويكون قوله: "ما كان لهم الخيرة" نفيًا أي ليس هذا الاختيار لهم بل هو إلى الخالق وحده فكما أنه المنفرد بالخلق فهو المنفرد بالاختيار منه فليس لأحد أن يخلق ولا أن يختار سواه فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره ومحال رضاه وما يصلح للاختيار مما لا يصلح له، وغيره لا يشاركه في ذك بوجه.
وإذا تأملت أحوال هذا الخلق رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه دالًا على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته وأنه الله الذي لا إله إلا هو فلا شريك له يخلق كخلقه ويختار كاختياره ويدبر كتدبيره
فخلق الله السموات سبعا فاختار العليا من فجعلها مستقر المقربين من ملائكته واختصها بالقرب من كرسيه ومن عرشه وأسكنها من شاء من خلقه
ومن هذا تفضيله سبحانه جنة الفردوس على سائر الجنان وتخصيصها بأن جعل عرشه سقفها ومن هذا اختياره من الملائكة المصطفين منهم
[ ٩ ]
على سائرهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل، وكذلك اختياره سبحانه للأنبياء من ولد أدم عليه وعليهم الصلاة والسلام
ومن هذا اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس بني آدم، ثم اختار منهم بني كنانة من خزيمة، ثم اختار من ولد كنانة قريشا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمدًا ﷺ، وكذلك اختار أصحابه من جملة العالمين .. واختار أمته ﷺ على سائر الأمم، ومن هذا اختياره ﷾ من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها وهي البلد الحرام فإنه ﷾ اختاره لنبيه صل الله عليه وسلم وجعله مناسك لعباده، ومن هذا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض فخير الأيام عند الله يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر وكذلك تفضيل عشر ذي الحجة على غيره من الأيام فإن أيامه أفضل الأيام عند الله ومن ذلك تفضيل شهر رمضان على سائر الشهور وتفضيل عشره الأخير على سائر الليالي وتفضيل ليلة القدر على ألف شهر.
والمقصود أن الله ﷾ اختار من كل جنس من أجناس المخلوقات أطيبه واختصه لنفسه وارتضاه دون غيره فإنه تعالى طيب لا يحب إلا الطيب ولا يقبل من العمل والكلام والصدقة إلا الطيب فالطيب من كل شيء هو مختاره تعالى.
(زاد المعاد) (١/ ٤٠)
[ ١٠ ]