إذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر من قلب العبد وهي الغالبة عليه بحيث يصير إليها مفزعه وملجؤه تمكن حينئذ الإيمان من قلبه وجلس على كرسيه وصار له التصرف وصار هو الآمر المطاع أمره فحينئذ يستقيم له سيره ويتضح له الطريق
فإن قلت: إنك قد أشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه واكشف لي حجابه وكيف تدبر القرآن وتفهمه والإشراف على عجائبه وكنوزه، وهذه تفاسير الأئمة بأيدينا فهل في البين غير ما ذكروه.
قلت: سأضرب لك أمثالًا تحتذي عليها وتجعلها إمامًا لك في هذا المقصد، قال الله تعالى: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجلٍ سمينٍ، فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخف وبشروه بغلامٍ عليمٍ فأقبلت امرأته في صرةٍ فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم﴾.
فعهدي بك إذا قرأت هذه الآيات وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة أضياف يأكلون وبشروه بغلام عليم، وأن امرأته عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك. ولم يجاوز تدبرك غيرك.
فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من الأسرار. وكم قد تضمنت من أنواع الثناء على إبراهيم، وكيف جمعت الضيافة وحقوقها، وكيف
[ ٣٥ ]
يراعى الضيف وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة، وكيف تضمنت عَلمًا عظيمًا من أعلام النبوة، وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي مردها إلى العلم والحكمة؟
وكيف أشارت إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها ثم أفصحت بوقوعه وكيف تضمنت الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة؟ وتضمنت ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده وصدق رسله وعلى اليوم الأخر.
(الرسالة التبوكية) (٧١)
[ ٣٦ ]