بلغ رسول الله ﷺ خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة وكانوا نحو أربعين رجلا وفيها أموال عظيمة لقريش فندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا لأنه خرج مسرعا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة … وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه. وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج، ولم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، ولما بلغ رسول الله ﷺ خروج قريش استشار أصحابه فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا ثم استشارهم ثالثًا ففهمت الأنصار أنه
[ ٤١ ]
يعنيهم فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله كأنك تعرض بنا، وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم فقال سعد بن معاذ: .. فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت إلى أن قال: فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك … " فأشرق وجه رسول الله ﷺ وسر بما سمع من أصحابه وقال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين وإني قد رأيت مصارع القوم" فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله ﷺ قال اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها جاءت تحادك وتكذب رسولك وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال: "اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك" فالتزمه الصديق من ورائه وقال: يا رسول الله أبشر فو الذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك" واستنصر المسلمون الله واستغاثوه وأخلصوا له وتضرعوا إليه فأوحى الله إلى ملائكته: "أني معكم فثبتوا الذين أمنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب" وأوحى الله إلى رسوله: "أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ثم ارتحل ﷺ مؤيدا منصورا قرير العين بنصر الله له
(زاد المعاد) (٣/ ١٥٣)
[ ٤٢ ]