حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أنه يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه فالذي حمله على العمل حسن الظن فكلما حسن ظنه حسن عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز كما في الترمذي والمسند من حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني"
واتكال بعض الناس على قوله ﷺ حاكيًا عن ربه له (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء") يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته.
وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه، قال الحسن البصري: "إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل"
وكيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه حال مرتحل في مساخطه وما يغضبه
متعرض للعنته قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه،
[ ٤٣ ]
وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه وكيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه، ووالى أعداءه، وجحد صفات كماله، وأساء الظن بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر؟
فتأمل هذا الوضع، وتأمل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله، وأن الله يسمع كلامه ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره، وأنه موقوف بين يديه، ومسؤول عن كل ما عمل، وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره، معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به، وهل هذا إلا خداع النفوس، وغرور الأماني
وقد قال إبراهيم ﵇ لقومه: "أإفكًا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين" أي ما ظنكم أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره.
(الجواب الكافي) (٤٦)
[ ٤٤ ]