شرع السجود على أكمل الهيئة وأبلغها في العبودية وأعمها لسائر الأعضاء بحيث يأخذ كل جزء من البدن بحظه من العبودية، والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة الركعة وما قبله من الأركان كالمقدمات له فهو شبه طواف الزيارة في الحج فإنه مقصود الحج ومحل الدخول على الله وزيارته وما قبله كالمقدمات له ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" "رواه مسلم"
وأفضل الأحوال له حال يكون فيها أقرب إلى الله ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة.
قال مسروق لسعيد بن جبير: "ما بقى شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب له" وكان النبي صل الله عليه وسلم لا يتقي الأرض بوجهه قصدًا بل إذا اتفق له ذلك فعله ولذلك سجد في الماء والطين.
ولهذا كان من كمال السجود الواجب أنه يسجد على الأعضاء السبعة الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين، فهذا فرض أمر الله به ورسوله وبلغه الرسول امته.
ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدًا لله اعتزل ناحية يبكي ويقول: "يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار"
[ ٤٥ ]
ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرون سجدا عند سماع كلامه وذم من لا يقع ساجدا عنده وأخبر سبحانه عن سجود جميع المخلوقات له فقال الله تعالى) ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون" (
والسجود أفضل أركان الصلاة الفعلية وسرها الذي شرعت لأجله وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه وهو قول العبد سبحان ربي الأعلى فهذا أفضل ما يقال فيه وكان وصف الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السفل على وجهه فذكر علو ربه في حال سقوطه.
(كتاب الصلاة) (١٣٧)
[ ٤٦ ]