قال الله تعالى: "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" فذكر سبحانه أن استماع القرآن سبب الرحمة فالرحمة تنزل على أهل استماعه وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة وتنزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده"
وقد ذكر سبحانه في غير موضع من كتابه أن الرحمة تحصل بالقرآن كقوله تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" وقال: "هذا بصائر الناس وهدى ورحمة لقوم يؤمنون" قال تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين"
ولا ريب أن من السماع ما تتنزل الرحمة على أهله فيه، ومنه ما تتنزل عليهم فيه اللعنة ومنه ما لا يتنزل عليه فيه رحمة ولا لعنة وهذا بحسب المسموع في نفسه ومرتبته في الخير والشر والحمد والذم، وإذا تأمل العامل الأثر الذي يحصل عند سماع الآيات والأثر الذي يحصل عند سماع الأبيات تبين له عند أي الأثرين تنزل الرحمة. وسمع رجل قارئًا يقرأ:: (أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون") فكانت سبب توبته وإقباله، وسمع أخر قارئًا
[ ٥١ ]
يقرأ (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض") فبكى وقال: لقد خاب وشقي من ضاقت عليه جنة عرضها السموات والأرض ولم يكن له فيها مقعدًا وسمع آخر قارئًا يقرأ: فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) فقال: ومن أحوج أصدق الصادقين أن يقسم)
وسمع آخر قارئا يقرأ: "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا" فقال انظروا إلى كرمه أعطى عبيده ماله ثم استقرضه منهم لهم ثم رده عليهم مضاعفا أضعافا كثيرة وزادهم عليه أجرا كريما
وسمع آخر قارئًا يقرأ: "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم" فقال: سبحان من سكن قلوب المشتاقين إلى لقائه بِأن ضرب لهم أجلا للقاء وأعلمهم بأن ذلك الأجل آت لا محالة فسكنت إليه نفوسهم واطمأنت به قلوبهم ولو لم يضرب للقائه أجلا لذابت قلوبهم شوقًا إليه
(مسألة السماع) (٣٤٧)
[ ٥٢ ]