قال الله تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء ..) والحرج هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم يقال: رجل حرج أي ضيق الصدر.
وقال عبيد بن عمير: قرأ بن عباس هذه الآية فقال: هل هنا أحد من بني بكر قال رجل: نعم، قال: ما الحرجة فيكم؟ قالوا: الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق فيه، فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر.
وقرا عمر بن الخطاب الآية فقال: ايتوني برجل من كنانة واجعلوه راعيًا فأتوه به فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ فقال: الشجرة تحدق بها الأشجار الكثيرة فلا تصل إليها راعية ولا حشية، فقال عمر: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير.
قال ابن عباس: يجعل صدره ضيقًا حرجا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإن ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك، ولما كان القلب محلًا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة وكانت هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها فإذا أراد الله هداية عبد وسع صدره وشرحه فدخلت فيه وسكنته وإذا أراد إضلاله ضيق صدره وأحرجه فلم يجد محلًا يدخل
[ ٥٣ ]
فيه فيعدل عنه ولا يساكنه وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشيئ ضاق به وكلما أفرغت فيه الشيئ ضاق إلا القلب اللين فكلما أفرغ فيه الإيمان والعلم اتسع وانفسح وهذا من آيات قدرة الرب تعالى وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ: (إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح، قالوا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله) فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى وتضييقه من أسباب الضلال كما أن شرحه من أجل النعم وتضييقه من أعظم النقم.
فالمؤمن منشرح الصدر منفسحه في هذه الدار على ما ناله من مكروهها وإذا قوى الإيمان وخالطت بشاشته القلوب كان على مكارهها أشرح صدرًا منه على شهواتها ومحابها فإذا فارقها كان انفساح روحه والشرح الحاصل له بفراقها أعظم بكثير كحال من خرج من سجن ضيق إلى فضاء واسع موافق له فإنها سجن المؤمن.
(شفاء العليل) (٤٣٩)
[ ٥٤ ]