قوله تعالى: "ادعوا ربكم تضرعًا وخفية" يتناول نوعي الدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة لكنه ظاهر في دعاء المسالة متضمن دعاء العبادة ولهذا أمر بإخفائه وإسراره.
وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة: أحدها: أنه أعظم إيمانًا لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى يسمع دعائه الخفي وليس كالذي قال: إن الله يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا.
"ثانيها" أنه أعظم في الأدب والتعظيم ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات وإنما تخفض عندهم الأصوات .. ولله المثل الأعلى فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به.
"ثالثها" أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده. فإن الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه. وذلت جوارحه وخشع صوته .. فقلبه قلب سائل طالب مبتهل ولسانه لشدة ذله وضراعته ومسكنته ساكت وهذه الحالة لا يتأتى معها رفع الصوت بالدعاء أصلًا.
رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
[ ٥٩ ]
خامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله تعالى في الدعاء فإن رفع الصوت يفرقه ويشوشه.
"سادسها" - وهو من النكت السرية البديعة جدًا - أنه دال على قرب صاحبه من الله وأنه لاقترابه منه وشده حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه فيساله مسألة مناجاة القريب للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد
سابعها- أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يكل لسانه وتضعف بعض قواه. وهذا نظير من يقرأ ويكرر رافعًا صوته فإنه لا يطول له ذلك بخلاف من يخفض صوته.
ثامنها - أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل هناك تشويش ولا غيره والدعاء ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه فالذاكر متعرض للنوال وإن لم يكن مصرحًا بالسؤال فهو داع بما تضمنه ثنائه من التعرض والمقصود أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه
(بدائع الفوائد) (٣/ ٧)
[ ٦٠ ]