العبد يسير إلى الله سبحانه بين مشاهدة منته عليه ونعمه وحقوقه، وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته، فهو يعلم أن ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه، وأن أقضيته كلها عدل فيه، وأن ما فيه من الخير فبمجرد فضله ومنته وصدقته عليه ولهذا كان في حديث الاستغفار "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي"، فلا يرى نفسه إلا مقصرا مذنبا ولا يرى ربه إلا محسنا متفضلًا وقد قسم الله خلقه إلى قسمين لا ثالث لهما تائبين وظالمين فقال: ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" وكذلك جعلهم قسمين معذبين وتائبين فمن لم يتب فهو معذب ولابد
قال تعالى ﴿ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات﴾ وأمر جميع المؤمنين من أولهم وأخرهم بالتوبة ولا يستثنى من ذلك أحد وعلق فلاحهم بها قال تعالى: "وتوبوا إلى الله جميعًا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون"
وعدد سبحانه من جملة نعمة على خير خلقه وأكرمه عليه وأطوعهم له وأخشاهم له أن تاب عليه وعلى خواص أتباعه فقال: ("لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد
[ ٦٧ ]
ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم") ثم كرر توبته عليهم فقال: "ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم"
وقدم توبته عليهم على توبة الثلاثة الذين خلفوا وأخبر سبحانه أن الجنة وعدها أهلها في التوراة والإنجيل يدخلها التائبون فذكر عموم التائبين أولًا ثم خص النبي والمهاجرين والأنصار بها ثم خص الثلاثة الذين خلفوا فعلم بذلك احتياج جميع الخلق إلى توبته عليهم ومغفرته لهم وعفوه عنهم وقد قال تعالى لسيد ولد آدم وأحب خلقه إليه "عفا الله عنك" فهذا خبر منه وهو أصدق القائلين أو دعاء لرسوله بعفوه عنه وهو طلب من نفسه وكان ﷺ يقول في سجوده أقرب ما يكون من ربه: أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) وقال لأطوع نساء الأمة وأفضلهن وخيرهن الصديقة بنت الصديق وقد قالت له يا رسول الله: لئن وافقت ليلة القدر فما أدعو به؟ قال: قوي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"
قال: الترمذي حديث حسن صحيح
(شفاء العليل) (٢٦٩)
[ ٦٨ ]