الصلاة التي تقر بها العين ويستريح بها القلب هي التي تجمع ستة مشاهد:
المشهد الأول: الإخلاص وهو أن يكون الحامل عليها والداعي إليها رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب مرضاته، والقرب منه، والتودد إليه، وامتثال أمره.
المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح، وهو أن يفرغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه وأكملها ظاهرًا وباطنًا.
المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء، وهو أن يحرص كل الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي ﷺ، ويصلي كما كان يصلي ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة.
المشهد الرابع: مشهد الإحسان، وهو مشهد المراقبة وهو أن يعبد الله كأنه يراه وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله وأسمائه وصفاته ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها، فإنه يوجب الحياء، والإجلال والتعظيم، والخشية، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والخضوع لله سبحانه، والذل له، ويقطع الوساوس وحديث النفس، ويجمع القلب والهم على الله.
[ ١٧ ]
المشهد الخامس: مشهد المنة وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه، كونه أقامه في هذا المقام وأهله له ووفقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك. وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلما كان العبد أعظم توحيدًا كان حظه من هذا المشهد أتم، وفيه من الفوائد أنه يحول بين القلب وبين العجب بالعمل ورؤيته. فإنه إذا شهد أن الله سبحانه هو المان به الموفق له الهادي إليه شغله شهود ذلك عن رؤيته والإعجاب به.
المشهد السادس: مشهد التقصير وهو أن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد وبذل وسعه فهو مقصر، وحق الله سبحانه عليه أعظم … فإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه، ولا قريبًا من حقه، علم تقصيره، ولم يسعه مع ذلك غير الاستغفار ولا الاعتذار من تقصيره وتفريطه.
(رسالة من ابن القيم لأحد إخوانه) (٣٣)
[ ١٨ ]