سمع رجل قارئًا يقرأ "وذا النون إذا ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستنجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فقال: إنما نجي بهذه الكلمات لأنها تضمنت أربعة أشياء: التوحيد والتسبيح وهما لله، والاعتراف والاستغفار وهما للعبد فبالتوحيد يدخل على الله وهو وسيلته إليه ينزهه عما لا يليق به من أن يأخذه أو يعاقبه بغير جرم أو يكون في ملكه ما لم يسبق به قضاؤه وقدره ويتعلق بمشيئة وخلقه.
والاعتراف والاستغفار يطفئ غضب الرب عنه ويسكنه ويقيمه في مقام العبودية ويخرج من نفسه مزاحمة الربوبية وأعظم الناس اعترافا واستغفارا أعرفهم بربه وبنفسه ولهذا كان أعظم الأمة استغفارًا نبيها ﷺ فكانت الصحابة ﵃ يعدون له في المجلس الواحد مائة مرة: "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور" وقال (يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
والتوبة والاعتراف هي الغاية المطلوبة من العباد ولابد لكل عبد منها وتوبة كل عبد منها وتوبة كل عبد بحسبه فحسنات الأبرار سيئات المقربين والله يحب التوابين ويحب المتطهرين والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية فكيف
[ ١٩ ]
بين حال آدم بعد التوبة وحاله قبل الخطيئة.
وأكثر توبة الخواص من السيئات القلبية والإرادات المزاحمة لمراد الرب منهم ومن غفلتهم عن شهود المنة في الحسنات.
وغالب توبة العوام من السيئات البدنية والشبهات المتعلقة بها فأعلى الناس مرتبة من لم تضله الشبهات ولم تغوه الشهوات
كما قال تعالى عن نبيه صل الله عليه وسلم: "ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى"
(مسألة السماع) (٣٦٠)
[ ٢٠ ]