روى الإمام أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله سبحانه أمر يحي بن زكريا بخمس كلمات .. " الحديث وفيه: "وآمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحه وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"
إنما مثل النبي ﷺ ذلك بصاحب الصرة التي فيها المسك لأنها مستورة عن العيون، مخبوءة تحت ثيابه، كعادة حامل المسك، وهكذا الصائم صومه مستور عن مشاهدة الخلق، لا تدركه حواسهم والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث؛ فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعًا صالحًا، وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته له، وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم.
هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب ففي الحديث الصحيح: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس
[ ٢٣ ]
لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه"، وفي الحديث: "رب صائمٍ حظه من صيامه الجوع والعطش". فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم.
وقد اختلف في وجود هذه الرائحة من الصائم، هل هي في الدنيا، أو في الآخرة وفصل النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي ﷺ بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال وموجباتها من الخير والشر فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية ويظهر فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم. قال عثمان بن عفان: ما عمل رجلُ عملا إلا ألبسه الله تعالى ردائه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
(صحيح الوابل الصيب) (٥٤)
[ ٢٤ ]