الحياء من الله
- في الصحيحين عن عمران بن حصين، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: (الحياءُ لا يأتي إلاَّ بخيرٍ)، وفي روايةٍ لمسلم قال: (الحياء خيرٌ كلُّه).
- قال الماوردي: واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه:
[ ٣٥ ]
- أحدها: حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره.
- والثاني: حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح.
- والثالث: حياؤه من نفسه. فيكون بالعفة وصيانة الخلوات
- فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة، فقد كملت فيه أسباب الخير، وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورا، وبالجميل مذكورا. اهـ بتصرف يسير
- عن معاذ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال له: (استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبةٍ من أهلك).
- وهذا هو السببُ الموجب لخشية الله في السر، فإنَّ مَنْ عَلِمَ أنَّ الله يراه حيث كان، وأنَّه مُطَّلعٌ على باطنه وظاهره، وسرِّه وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك تركَ المعاصي في السِّرِّ.
- فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أنْ يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنَّه يتولَّدُ من هذين المقامين الاستحياءُ من الله وترك كلِّ ما يُستحيى منه.
- كما وصَّى - ﷺ - رجلًا أنْ يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يُفارقه.
- وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: (الاستحياء من الله تعالى أنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وما حَوَى، وتَحفَظَ البَطنَ وما وَعَى، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلى، فمن فَعَل ذلك، فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء).
- قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخَفِ الله على قدر قدرته عليك.
- وقال بعضُ العارفين: إذا تكلمتَ فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك، وإذا سكتَّ فاذكر نظره إليك.
- وقد وقعتِ الإشارةُ في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كثيرة: كقوله تعالى:
[ ٣٦ ]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
- وسُئِل الجنيد بما يُستعانُ على غضِّ البصر، قال: بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره.
- وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء: قُلْ لقومك: ما بالكم تسترون الذنوبَ من خلقي، وتُظهرونها لي، إنْ كنتم ترون أني لا أراكم، فأنتم مشركون بي، وإنْ كنتم تَرَونَ أني أراكم فلم جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟.