عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - قَالَ: «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ كَانَ يُصَلِّي جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: «أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟»
فَقَالَتْ: «اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ».
وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: «مِنْ جُرَيْجٍ»،
[ ٤٥ ]
فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: «مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟».
قَالَ: «الرَّاعِي».
قَالُوا: «نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ».
قَالَ: «لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ». (رواه البخاري).
وروى مسلم عَنْ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ فَجَاءَتْ أُمُّهُ - قَالَ حُمَيْدٌ (أحد الرواة) ـ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ الله - ﵌ - أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ: كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ.
فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي».
فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ فَرَجَعَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي»، قَالَ: «اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَقَالَتْ: «اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ، وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ».
[ ٤٧ ]
وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ.
وَكَانَ رَاعِي ضَأْنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ، فَخَرَجَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقِيلَ لَهَا: «مَا هَذَا؟»
قَالَتْ: «مِنْ صَاحِبِ هَذَا الدَّيْرِ».
فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ. فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: «سَلْ هَذِهِ».
فَتَبَسَّمَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ، فَقَالَ: «مَنْ أَبُوكَ؟»
قَالَ: «أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ».
فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا: «نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا كَانَ، ثُمَّ عَلَاهُ».
وفي رواية أخرى: «كَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: «يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ.
فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ»، فَقَالَ: «يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِه، ِ فَانْصَرَفَتْ.
[ ٤٨ ]
فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ»، فَقَالَ: «أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: «اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ».
فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ: «إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ».
فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: «هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ».
فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟»
قَالُوا: «زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ».
فَقَالَ: «أَيْنَ الصَّبِيُّ؟»
فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ: «دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ»، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ: «يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ فُلَانٌ الرَّاعِي».
(رواه مسلم).
[ ٤٩ ]
أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي: أَيْ اِجْتَمَعَ عَلَيَّ إِجَابَة أُمِّي وَإِتْمَام صَلَاتِي فَوَفِّقْنِي لِأَفْضَلِهِمَا.
الْمُومِسَات: الزَّوَانِي الْبَغَايَا الْمُتَجَاهِرَات بِذَلِكَ.
الدَّيْر: كَنِيسَة مُنْقَطِعَة عَنْ الْعِمَارَة تَنْقَطِع فِيهَا رُهْبَان النَّصَارَى لِتَعَبُّدِهِمْ، وَهُوَ بِمَعْنَى (الصَّوْمَعَة) وهِيَ الْبِنَاء الْمُرْتَفِع الْمُحَدَّد أَعْلَاهُ وَهِيَ نَحْو الْمَنَارَة يَنْقَطِعُونَ فِيهَا عَنْ الْوُصُول إِلَيْهِمْ وَالدُّخُول عَلَيْهِمْ.
بِفُؤُوسِهِمْ: جَمْع فَأْس وَهِيَ مَعْرُوفَة.
الْمَسَاحِي: جَمْع مِسْحَاة وهي آلة يدوية تُستخدَم في الزِّراعة، وَهِيَ كَالْمِجْرَفَةِ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ حَدِيد.
يُتَمَثَّل بِحُسْنِهَا: أَيْ يُضْرَب بِهِ الْمَثَل لِانْفِرَادِهَا بِهِ.
من عبر القصة:١ - عِظَم بِرّ الْوَالِدَيْنِ وَإِجَابَة دُعَائِهِمَا وَلَوْ كَانَ الْوَلَد مَعْذُورًا؛ لَكِنْ يَخْتَلِف الْحَال فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَقَاصِد.
٢ - تَأَكُّد حَقّ الْأُمّ، وَأَنَّ دُعَاءَهَا مُجَاب.
٣ - إِيثَار إِجَابَة الْأُمّ عَلَى صَلَاة التَّطَوُّع؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْرَار فِيهَا نَافِلَة وَإِجَابَة الْأُمّ وَبِرّهَا وَاجِب.
[ ٥٠ ]
٤ - إِذَا تَعَارَضَتْ الْأُمُور بُدِئَ بِأَهَمِّهَا.
٥ - يَجْعَل اللَّه تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ مَخَارِج عِنْد اِبْتِلَائِهِمْ بِالشَّدَائِدِ غَالِبًا. قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾ وَإِنَّمَا يَتَأَخَّر ذَلِكَ عَنْ بَعْضهمْ فِي بَعْض الْأَوْقَات تَهْذِيبًا وَزِيَادَة لَهُمْ فِي الثَّوَاب.
٦ - اِسْتِحْبَاب الْوُضُوء لِلصَّلَاةِ عِنْد الدُّعَاء بِالْمُهِمَّاتِ.
٧ - الْوُضُوء كَانَ مَعْرُوفًا فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا، فَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي صحيح الْبُخَارِيّ (فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى).
٨ - إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة.
٩ - الرِّفْق بِالتَّابِعِ إِذَا جَرَى مِنْهُ مَا يَقْتَضِي التَّأْدِيب؛ لِأَنَّ أُمّ جُرَيْجٍ مَعَ غَضَبهَا مِنْهُ لَمْ تَدْعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا دَعَتْ بِهِ خَاصَّة، وَلَوْلَا طَلَبهَا الرِّفْق بِهِ لَدَعَتْ عَلَيْهِ بِوُقُوعِ الْفَاحِشَة أَوْ الْقَتْل.
١٠ - صَاحِب الصِّدْق مَعَ اللهِ لَا تَضُرّهُ الْفِتَن.
١١ - قُوَّة يَقِين جُرَيْجٍ وَصِحَّة رَجَائِهِ، لِأَنَّهُ اِسْتَنْطَقَ الْمَوْلُود مَعَ كَوْن الْعَادَة أَنَّهُ لَا يَنْطِق؛ وَلَوْلَا صِحَّة رَجَائِهِ بِنُطْقِهِ مَا اِسْتَنْطَقَهُ.
١٢ - جَوَاز الْأَخْذ بِالْأَشَدِّ فِي الْعِبَادَة لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسه قُوَّة عَلَى ذَلِكَ.
[ ٥١ ]
١٣ - الْمَفْزَع فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة إِلَى اللهِ يَكُون بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة.