وقد بحثنا في رسالة حديثة النشر، الأخلاقية العملية في القرآن، في علاقتها بالحكمة القديمة، واستطعنا أن نكشف فيها عن ثلاث خصائص نوجزها فيما يلي:
فالقرآن -من حيث كون حافظًا لما سبقه، واستمرارًا له- قد تميز عنه بذلك الامتداد الرحب الذي ضم فيه جوهر القانون الأخلاقي كله، وهو الذي ظل متفرقًا في تعاليم القديسين والحكماء، من المؤسسين والمصلحين، الذين تباعد بعضهم عن بعض، زمانًا ومكانًا، وربما لم يترك بعضهم أثرًا من بعده يحفظ تعاليمه.
ولعل هذا الجانب هو السمة البارزة من سمات القرآن، وإن لم تكن أثمن سماته، ولا أصلها.
[ ٨ ]
وإنما تبدو أصالة هذا التعليم الأخلاقي في أجلى صورها، في طريقته التي سلكها لتقديم تلك الدروس المختلفة عن الماضين، وتقريبها، بحيث يصوغ تنوعها في وحدة لا تقبل الانفصام، ويسوقها على اختلافها في إطار من الاتفاق التام؛ وذلك لأنه بدأ بأن نزع عن الشرائع السابقة كل ما كان في ظاهر الأمر إفراطًا أو تفريطًا، وبعد أن حقق وضع التعادل في ميزانها، الذي كان يميل تارة إلى جانب، وأخرى إلى جانب آخر -دفعها جميعها في اتجاه واحد، ثم نفخ فيها من روح واحدة، بحيث صار حقًّا أن ينسب إليه بخاصة مجموع هذه الأخلاق.
وأعجب من ذلك وأعظم أصالة جانبه الخلاق، فليس يكفي -في الواقع- لكي نصف أخلاق القرآن، أن نقول: إنها حفظت تراث الأسلاف ودعمته، وإنها وفقت بين الآراء المختلفة التي فرقت أخلافهم، بل ينبغي أن نضيف أن الأخلاق القرآنية قد رفعت ذلكم البناء المقدس، وجملته، حين ضمت إليه فصولًا كاملة الجدة، رائعة التقدم، ختمت إلى الأبد العمل الأخلاقي١.
ولسوف يكون علينا في هذه الدراسة أن نعالج الأحكام العملية التي جاء بها القرآن في ذاتها، وفي مرحلتها النهائية من تطورها، وحسب القارئ بعد ذلك أن يتصفح النصوص التي نوردها في نهاية هذا الكتاب؛ ليدرك رحابة هذا النظام وجماله.
ولسوف يختلف منهجنا كثيرًا في عرض هذا الجانب عن المنهج الذي اتبعه سابقونا. فلما كنا -أولًا- لا نرى من اللازم أن نستوعب النصوص والآيات ذات الاتصال بالموضوع، فقد اكتفينا بأن سقنا بعضًا منها؛ ذا دلالة كافية
_________________
(١) ١ انظر كتابنا "المدخل إلى القرآن - "initiation du koran القسم الثاني- الفصل الثاني، وسوف تجد هنالك أمثلة عديدة مادية، تشهد بوجود هذه الجوانب الثلاثة فيما أضافه القرآن: إجمال لما سبق، وتوفيق بين وجهات مختلفة فيه، وإكمال لجوانب ناقصة.
[ ٩ ]
على القواعد المختلفة للسلوك، ثم حاولنا من بعد ذلك أن نتجنب التكرار بقدر الإمكان.
واتبعنا أخيرًا نظامًا منطقيًّا بدلًا من التزام نظام السور "الذي تبعه الإمام الغزالي"؛ أو النظام الأبجدي للمفاهيم "كما فعل جول لا بوم". فالنصوص في عملنا هذا مجمعة في فصول، بحسب نوع العلاقة التي سيقت القاعدة لتنظيمها، وقد ميزت في داخل كل طائفة عدة مجموعات صغيرة من النصوص، وضعنا لها عنوانًا فرعيًّا يوجز التعليم الخاص الذي يستقي منها، بحيث يتاح للقارئ أن يجد الحكم الذي يبحث عنه بكل سهولة.
وتنظيم النصوص بمجموعها على هذا الوجه يبني لنا منهجًا كاملًا للحياة العملية كما رسمها القرآن: كيف ينبغي على الإنسان أن يسلك مع نفسه، وفي أسرته، ومع الناس أجمعين؟ وما المبادئ التي يجب أن تحكم العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، وبين الدول أو المجتمعات؟ وكيف يؤدي الإنسان العبادة لله؟ وكل ذلك قد قيل بطريقة واضحة ومحددة.
هذا الطابع الإجمالي يجد ما يكمله في طابع آخر، يمنحه قيمته العليا، ذلك أن القرآن -بعد أن رسم لكل مجال من مجالات الحياة خط سلوكه- يقدم لنا أُطُرًا معدّة على هيئة دوائر مشتركة المركز، كل واحدة منها قابلة لأن تتسع، وتنكمش، في توافق مع المجموع. بل لقد تتداخل هذه الدوائر بالتبادل، دون أن تطغى إحداها على الأخرى.
كيف استطاع القرآن أن يحدث هذا الأثر المعجز؟
لقد كان منهجه غاية في البساطة، حين تخير لبيان قواعده أقوالًا ذات تأثير خاص، وهي أقوال تقف دائمًا في منتصف الطريق، بين المجرد: غامضه ومبهمه، وبين الحسي المفرط في الشكلية. وكذلك نجد أن الأطر التي يبنيها صارمة ومرنة في آن.
[ ١٠ ]
فمن حيث وضوح المضمون نجد أن وضوح كل قاعدة يوجد نوعًا من الحجاز، يقف في مواجهة الفوضى، وجموح الهوى؛ ولكنها من حيث عدم تحديد هذا المضمون تترك لكل فرد حرية اختيار الشكل الذي يكيف في نطاقه مثله الأعلى؛ طبقًا للشروط التي تمليها التجربة، كما يختار الشكل الذي يوائم به بين الواجب العاجل والمقتضيات الأخرى التي تمليها الأخلاقية. فهما أمران: تكييف ومواءمة، ينبغي أن يتما بوساطة جهد راشد، بعيد عن الإرخاء، وعن الغلواء، التي لا ضابط معها.
وبهذه الطريقة استطاعت الشريعة القرآنية أن تبلغ كمالًا مزدوجًا، لا يمكن لغيرها أن يحقق التوافق بين شقيه: لطف في حزم، وتقدم في ثبات، وتنوع في وحدة.
وبهذه الطريقة أيضًا، أتاحت الشريعة القرآنية للنفس الإنسانية أن تطمئن إلى سعادة مزدوجة، تجمع أيضًا بين النقيضين: خضوع في الحرية، ويسر في المجاهدة، ومبادأة في الاستمرار، وقليل من فهم تلك الحكمة الرفيعة.
ومن ثَمَّ أخذ بعضهم على الإسلام أنه لم يحدد مثلًا الطريقة التي يستشار بها الشعب في القضايا العامة، ولم يحدد شكل الدولة المسلمة، وطريقة اختيار رئيسها: أهي اقتراع شامل، أم مقتصر على الصفوة؟ وهل هي جمهورية، أم ملكية؟ إلخ.
هذا البحث المفرط في التحديد القانوني، يمكن أن يظهر لدى أولئك الذين يضعون القانون، أو أولئك الذين يخضعون له. ففي الحالة الأولى يفرض القانون ويحتمه نوع من الحذر لدى المشرعين، إزاء الأفراد الذين يناط بهم تطبيقه؛ ومع ذلك فهو يتجه إلى إلغاء كل مبادأة، وإلى أن يجعل الحياة المشتركة رتيبة لا تطاق، وإلى أن يجعل من أعضاء المجتمع ما يشبه النسخ المكررة من نموذج آلي واحد.
[ ١١ ]
لكنا قد نصادف بين المحكومين أنفسهم أناسًا يودون أن يتولى المشرع بنفسه تحديد كل شيء وتقنينه، فإذا افترضنا أن هذا المشروع يمكن أن يتحقق، فكيف نفسر اقتضاءً من هذا القبيل بالغًا أقصى مداه، إلا بأنه تلمس لأدنى جهد عقلي وأخلاقي؟ إن لم نقل: إنه تنازل محض وبسيط عن الشخصية!!
إن القرآن لا ينقض ذلك الاتجاه إلى حصر كل القواعد، كما لا ينقض الاتجاه المضاد، فهل كان هذا التصرف الحكيم، وذاك الموقف الوسط الذي يقف فيه الفرد دائمًا بمعزل عن طرفي نقيض -مجرد اتفاق؟ أو تحكمًا واعتسافًا؟ أو أن له غاية معينة؟
إننا لكي نقتنع بأن القرآن في إيجازه، وفي تفصيله، يهدف إلى تلك الحكمة التشريعية المنزهة -حسبنا أن نتذكر الواقعة التالية:
"فعن أبي هريرة -﵁- قال: خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج، فحجوا" فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال، رسول الله، ﷺ: " لو قلت: نعم، لَوَجَبَتْ، ولَمَا استطعتم؛ ثم قال: ذروني ما تركتكم ١، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" ٢ وفي رواية أخرى أكثر تصريحًا، رواها ابن جرير موقوفة عن أبي ثعلبة الخشني، ورُويت مرفوعة إلى النبي -ﷺ- قال: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت
_________________
(١) ١ يريد أن يقول: لا تستثيروا الوحي، ولا تفتشوا عن شرائع لتضعوها حين لا تجدوها. ٢ رواه مسلم، وورد بمعناه في ابن حبان - ذكره السيوطي في الدرِّ المنثور ٢/ ٣٣٥.
[ ١٢ ]
عن أشياء رحمة لكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" ١، ويذكر ابن حبان أن ظروفًا كهذه الظروف كانت مناسبة لنزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ، قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ ٢.
هذا الاستبعاد للمبالغة والإفراط في "كيف؟ وكم؟ " من القواعد القرآنية -إجراءٌ اتُّخذ صراحة، كيما يتسنى لكل فرد أن يمارس طاقته العقلية والجسمية والخلقية، بطريقة تختلف عن غيره. فهذا هو ما يتصل بالأخلاق العملية، والسمات العامة التي تحددها؛ فلنمض إلى الأخلاق النظرية:
_________________
(١) ١ حديث حسن رواه الدارقطني وغيره، وللمؤلف هنا طريق أخرى "المعرب". ٢ المائدة: ١٠١- ١٠٢.
[ ١٣ ]