هذا هو الشرط الثاني للمسئولية، فالقرآن يعلمنا أن أحدًا لن يحاسب على أفعاله دون أن يكون قد أعلم مسبقًا بأحكامها.
وهذا الإعلام يأتي من طريقين مختلفتين: داخلية، وخارجية، فقواعد القانون الأخلاقي في أكثر صورها شمولًا مسجلة بشكل ما في أنفسنا، وليس علينا لكي ندرك مغزاها، سوى أن نستخدم قدراتنا وملكاتنا الفطرية: فنستشير عقلنا، ونستبطن قلبنا، أو نتبع غرائزنا الخيرة. ولما كانت معرفة هذا القانون الفطري في وسع كل إنسان، على تفاوت بين الأفراد،
[ ١٦٣ ]
فإن هذه المعرفة تكفي قطعًا لتأكيد مسئوليتنا نحو أنفسنا. ولم تنازع أكثر المدارس الإسلامية تشددًا في أن هنالك نوعًا من المسئولية الشاملة القائمة على هذا التكليف الفطري، فهل يكفي هذا أيضًا لإقرار مسئوليتنا عند الله؟ هنا تفترق المدارس. فعلى حين أن المعتزلة يرون ذلك ويقرونه بلا استثناء، وعلى حين أن الماتريدية يوافقون عليه جزئيًا "فيما يتعلق بالواجبات الأولية"، فإن أكثر مدارس أهل السنة ينكرونه مطلقًا.
ويقولون: إننا لسنا مسئولين أمام الله، حتى عن واجباتنا الأساسية إلا إذا أعلمنا بواجباتنا، هو نفسه، وبطريقة خاصة وإيجابية. وهؤلاء المفكرون يتمسكون بحرفية القرآن حيث يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ١، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ٣.
ومن المفيد جدًّا أن نبحث عن الأسباب في أن القرآن يضع هذه الشروط المفيدة، فلماذا أوجب الله مطلقًا على نفسه أن يعلم الشعوب بواجباتها بوساطة الرسل، الوسطاء بينه وبينهم؟ ولماذا لم يتركهم لنورهم الفطري وحده؟ والجواب كما يبينه القرآن: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤. والواقع أن أكثرية الناس ينتمون إلى إحدى فئتين: فإما أنهم رجال أعمال مشغولون بلقمة العيش، أو يكونون فارغين عاكفين على ملذاتهم. وعليه، أفلا يكون من النادر إلى أقصى حد أن تسنح لحظات يخطر لهؤلاء وهؤلاء فيها أن يرفعوا أبصارهم نحو السماء، أو أن يحولوها
_________________
(١) ١ التوبة: ١١٥. ٢ الإسراء: ١٥. ٣ القصص: ٥٩. ٤ النساء: ١٦٥.
[ ١٦٤ ]
نحو أنفسهم؟ كم رجلًا منّا يسائل نفسه عن خير الوسائل لتثقيف الروح، وتغذية القلب، بله أن يشرع لها؟؟ وهذه الآلاف المؤلفة من شواغل الحياة اليومية التي تصرفنا عن هذه الأمور العلوية أليست عذرًا بالنسبة لنا؟
إن هذه الحجة سوف تكون أكثر قبولًا إذا ما استشهدت بضعف سلطاننا الأخلاقي. وهل كانت العقائد الزائفة، والعادات السيئة الموروثة سوى طبقات سميكة تغلف، وتحجب بصائرنا؟ فمن أجل استباق هذا الاعتراض المزدوج أراد الله سبحانه أن يقوي أنوارنا الفطرية بأنوار الوحي المنزل: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١.
والحقيقة أن الله سبحانه أوجب على نفسه أن يعلم الناس قبل أن يحملهم مسئوليتهم؛ لأنه يرى من الظلم تعذيب القرى التي تغفل عن واجباتها؛ لأنها لم تعرفها: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ ٢، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ، ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ٣.
ولكن إذا كان الأمر كذلك، أعني إذا كان يكفي مجرد الغفلة الطارئة، سواء أكانت نقص انتباه، أو استعصاء عادات، لكي نعلن عدم مسئولية أناس أسوياء بصورة كاملة، وإذا كانت العدالة الإلهية قد التزمت بإيقاظهم أولًا من سباتهم بوساطة تعليم إيجابي، فما القول إذن في الضمائر التي ما زالت غائبة أو محجوبة كلية بحوادث طبيعية؟ ألا يجدر بالأحرى أن ننتظر انتباهها أو يقظتها العادية، كيما تكون بحيث تعلم الشريعة المقررة؟ إن هذا بداهة
_________________
(١) ١ الأعراف: ١٧٢-١٧٣. ٢ الأنعام: ١٣١. ٣ الشعراء: ٢٠٨-٢٠٩.
[ ١٦٥ ]
هو ما يريده منطق هذا البيان القرآني. فليس يكفي إذن أن يصوغ الشارع شرائع، ويكلف رسله بإبلاغها، بل يجب أن يصل هذا التعليم إلى الناس، وأن يكون هؤلاء الناس على علم به.
وهكذا تحتوي الشرعية جزأين، ثانيهما موجود ضمنًا في المبدأ الذي ينشئ الأول.
وقد أكملت السُّنة النبوية لحسن الحظ هذا الإيجاز في النص، واستخرجت منه صراحة نتائجه، فقال رسول الله، ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى "المجنون" حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" يحتلم١.
وربما لزمنا هذا أن ننبه القارئ ضد تفسير خاطئ، قد يقع فيه، إذ لا ينبغي أن نستخلص من تشبيه الصبيان بالطائفتين الأخريين، من حيث عدم مسئوليتهما -أنهم جزء مهمل، أو يجوز إغفاله في المجتمع الإسلامي، فللطفل المسلم نظامه الكامل، تمامًا كنظام الرجل البالغ، وحسبنا أن نفتح أي كتاب في الفقه السلفي لنرى ما يخصه في كل فصل من فصوله، بل إنه من الوجه الأخلاقية وحدها، فإن الاستطراد الذي يمكن أن نتطرق إليه، لنوضح ما يجب أن يطلب من الطفل، وما يمكن أن يتسامح فيه، قد يكون أطول من اللازم.
ولكن بالرغم من أن سلوك الأطفال منظم في الشريعة الإسلامية، حتى في أدق تفاصيله، فإن الشرع غير متوجه إليهم، بل إلى آبائهم، وإلى الحكام،
_________________
(١) ١ أبو داود، كتاب الحدود، باب ١٧، وصحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب٧، وقد ذكره البخاري على هذا النحو: "باب لا يرجم المجنون والمجنونة، وقال علي لعمر: أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ؟ " "المعرب".
[ ١٦٦ ]
والأساتذة، والرؤساء، أي: إلى الأمة بأكملها، فهي التي على كاهلها تقع مهمة تربيتهم، وتقويمهم، حتى تظفر منهم بأقصى درجات التوافق مع القاعدة.
وإذن، فإذا كانت مسئوليتهم قد تخففت، فما ذلك إلا لترتبط مسئوليتنا تجاههم. وحسبنا هنا أن نقدم ثلاثة أمثلة لنبين أن الإنسان المسلم الصغير، يجب أن يتعود -منذ حداثته- على ما يقرب من سلوك الرجل الناضج، في سلوكه الشخصي، وفي علاقته بالآخرين، وفي علاقته بالله سبحانه.
المثال الأول:
نحن نعرف قواعد الأدب والحياء التي فرضها القرآن على كل فرد، ألا يدخل بيوت الآخرين دون أن يستأذن، ويسلم عليهم في أدب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ ١، أما فيما يتعلق بخدمنا وأطفالنا فإن القرآن يمنحهم نوعًا من التساهل في بعض القيود، لا على سبيل الإعفاء منها، فهو يقيد وجوب هذه الأوامر بأوقات الراحة حين نكون غالبًا مستترين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢.
المثال الثاني:
إن الإسلام في دعوته الأطفال لأداء شعائرهم الدينية لا ينتظر بلوغهم، بل يجب علينا أن نشجعهم متى بلغوا سن السابعة، على أن يؤدوا الصلاة دون إكراه، فإذا بلغوا العاشرة ولم يطيعوا أدبناهم عليها
_________________
(١) ١ النور: ٢٧. ٢ النور: ٥٨.
[ ١٦٧ ]
أدبًا مترفقًا، وفي هذا السن يجب أن نفرق بينهم في فرشهم، ومن قول رسول الله -ﷺ- في ذلك: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها"، وفي رواية: "مروا أولادكم وفرقوا بينهم في المضاجع" ١.
المثال الثالث:
إننا ملزمون بألا ندع أطفالنا منذ طفولتهم الأولى، يأكلون، أو يستعملون من الأشياء ما ليس لهم. ونحن نعرف ما كان سائدًا على عهد النبي -ﷺ- من أن الصدقات نقدية أو عينية والتي كانت مخصصة للتوزيع على الفقراء وأشباههم، كانت تجمع أولًا في المسجد، أو في أحد البيوت المجاورة، الخاصة بالنبي -ﷺ- وذات يوم لمح النبي، وهو عائد إلى بيته، تمرة من تمر الصدقة، أخذها حفيده الحسن، فجعلها في فيه، فقال النبي -ﷺ- بالفارسية "كخ! كخ! ارم بها، أما تعرف أنَّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة؟ " ٢.
ولنقف عند هذا الحد من الاستطراد، ولنعد إلى مبدأ العلم بالشرع، وهو الشرط الضروري للمسئولية، لنسأل أنفسنا عن المعنى المحدد الذي ينبغي أن نحمله عليه، فإن في ذلك مشكلة ذات أهمية قصوى، أهو العلم الجماعي، أم الفردي؟
نحن نعرف مبدأ القانون الفرنسي القائل "بأن أحدًا لا يعد جاهلًا بالقانون"، وفي الشريعة الإسلامية صيغة مثل هذه تقول: "لا عذر لأحد بالجهل في دار الإسلام"، فهل يكفي إذن أن يكون القانون منشورًا ومعلومًا في وسط
_________________
(١) ١ انظر، أبو داود، كتاب الصلاة "باب متى يؤمر الغلام بالصلاة". ٢ البخاري، كتاب الزكاة، زكاة العشر، باب ٦، وكتاب الجهاد باب ١٧٦.
[ ١٦٨ ]
معين لكي تثبت مسئولية كل من يعيشون في هذا الوسط، على الرغم من جهل بعضهم؟
والحق أن الفقهاء قد قيدوا مدى تطبيق هذا المبدأ؛ لأنه لا ينطبق -من ناحية- إلا على المسلمين بالميلاد، ممن يعيشون في مجتمع يمارس واجباته الدينية "أي: إن من يعتنق الإسلام حديثًا معذور في الجهل بالقانون". وهو لا يصدق -من ناحية أخرى- إلا على القواعد العامة، ذات الوضوح المؤكد، بعامة، لا على التفاصيل التي قد تفوت غير المتخصصين.
بيد أن هذه التحفظات جميعها لا تقدم لنا سوى احتمال كبير، وقرينة قوية على علم كل فرد، دون أن تفيدنا يقينًا، ويبقى دائمًا أن نسأل: على أي مبدأ من مبادئ العدالة تقوم مسئولية من يجهل فعلًا واجبه، في حالة معينة، حتى ولو عرفه كل الناس في مكانه؟
لا شك أن من الأمور الملزمة بالنسبة لي أن أنور ضميري وأن أستعلم عن واجباتي كلما جهلتها ولا يتحتم لهذا أن أواجه مشكلة بعينها. ولكن هناك حالات أعتقد فيها، بكل صدق، أن العمل الذي ألزم نفسي به، أو أمتنع عنه ليس سوى عمل فطري طبيعي لا ينشأ عن أي تحريم، أو تكليف، وذلك باستثناء حالة الجهل الإرادي الخاطئ الذي يقدم عليه الفاسق، الذي يتحدث عنه أرسطو١
_________________
(١) ١ يبدو لنا أن يسكال pascal في هجماته على اليسوعيين، قد غلا في كلام أرسطو، حين ذكر أنه قال: إن جميع الأشرار يجهلون ما يجب أن يفعلوه، وما يحب أن يهجروه وحسب ما يرى بسكال فإن أرسطو كان يفرق أساسًا جهل الواقع "أي ظروف الحدث"، عن جهل القانون "أي: الخير والشر في العمل" فالأول وحده يعذر فيه الفاعل، "provinciales ٤ e lettre" على أن هذا التخصيص لا يبدو لنا أرسطيًّا؛ لأن أرسطو -نفسه- يجعل من بين الحالات الجديرة بالمغفرة والرحمة -حالة أخيل، eschyle، في إفشائه الأسرار، دون أن يعرف أن ذلك محرم ethique، debut du livre iii، هذا إلى أننا إذا أخذنا برأي بسكال فقد تلتبس نظرية أرسطو بنظرية أفلاطون، وسقراط التي ترى أن نوفق بين الفضيلة وعلم الخير والشر.
[ ١٦٩ ]
فكيف أكون في هذه الظروف مسئولًا دون أن أدري، وكيف تقع المسئولية إذا لم يكن مبعثها تنبيه ضميري؟
الحق أن هذا المبدأ لا يعبر إلا عن نوع من العدالة القانونية، التي ترى الناس من خارج، وتحكم عليهم موضوعيًّا، وإحصائيًّا، تبعًا لسلوك متوسطهم. ولا شك أن من المفيد واللازم لحفظ النظام في المجتمع -أن ننظر إلى الأمور من هذه الزاوية، وإلا فإن الباب قد يتسع كثيرًا، بالنسبة إلى جميع مخالفات القانون، بحجة الجهل بالقانون.
أما فيما يتعلق بالمسئولية الأخلاقية والدينية التي نعالجها الآن، فلا ينبغي أن تقوم إلا على الحالة الواقعية لضميرنا، مع تحفظ واحد هو ألا يزيغ هذا الضمير مختارًا عن الهدى الذي يقدم إليه، بل يحاول أن يبحث عنه عند الحاجة، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ١.
فليس يكفي إذن، في نظرنا، أن يحمل القانون إلى علم الناس بعامة، وأن أكون بحيث أستقبله، بل ينبغي أن نضيف ضرورة إبلاغه إلى علمي، أنا نفسي، سواء أكان ذلك بوساطة التربية، أو النشر، أو الصدفة، أم كان بطلبي إياه في سعيي وبحثي. وقد رأينا -في الواقع- كيف أن القرآن حرص على أن يثبت، على سبيل الحقيقة التاريخية -إن لم يكن على سبيل القانون الثابت- أن التعليم الإلهي الذي خُوطبت به الشعوب القديمة كان يصل دائمًا إلى المعنيين به، قبل أن يلزموا بمسئوليتهم. هذه الحقيقة نفسها يجب أن تنطبق على التعليم القرآني، وإنها لكذلك، فقد قرر القرآن: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الزخرف: ٣٦. ٢ هود: ١٩.
[ ١٧٠ ]
وليس هذا هو كل شيء، فلنفترض أن القاعدة قد تقررت بالنسبة إلى الناس، وأني تلقيتها، ولكن ها أنذا، لدى ممارستي للعمل، يغيب عني هذا التعليم، يفلت مني كلية، لقد نسيته بكل بساطة. بل إنني قد أكون في حالة تسمح لي بتذكره، عندما أسأل عنه، ولكني لا أتذكر في الحال، بل أكاد لا أشعر بمجرد وجوده، وسواء كان هذا النسيان مجرد ذهول سطحي وعارض، أو نسيان عميق ودائم، مرضي أو عادي -فإن موقفي هو الاستعداد دائمًا أن أكف عن عملي المخالف، أو أوقف نشاطي الذي بدأته، بمجرد أن يذكرني أحد من الناس بالقانون. فكيف أكون مسئولًا عن عمل تم في مثل هذه الظروف؟
عندما يكون النسيان ظاهرة طبيعية، لا تصدر عن إرادتي، ولا ترجع إلى الخطأ من ناحيتي، فهل يكون من المقبول في منطق العدالة المطلقة، القائمة على واقع الأشياء، لا على التخمينات، أو اعتبارات المنفعة -أن أعد مسئولًا عن عمل كهذا، مع ملاحظة صفته القهرية؟ تعالى الله عن ظلم كهذا.
ومن ثم نجد أن القرآن، حينما أنطق المؤمنين بهذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١، لم يلبث النبي -ﷺ- أن أضاف إليه هذا التعليق المطمئن: "قال -الله- قد فعلت" ٢.
_________________
(١) ١ البقرة: الآية الأخيرة. ٢ صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب ٥٤.
[ ١٧١ ]