والحق أن جميع العلماء متفقون على أن يروا في تعاليم السُّنة العملية، أو مأثور النبي، صلى الله عليه وسلم١ -مصدرًا ثانيًا، عظيم الأهمية، للشريعة الإسلامية بعد القرآن، كلمة الله.
والقرآن نفسه قد طلب إلى المؤمنين أن ينقادوا، دون حرج، لجميع أوامر النبي -ﷺ- متى أخذوا أنفسهم بالإيمان به، ومن ذلك قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ
_________________
(١) ١ نقصد بهذا مجموع أقواله وأفعاله، وتقريراته، وجميع مواقفه الضمنية، استحسانًا، أو رفضًا.
[ ٣٧ ]
لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١، وقوله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٤.
غير أننا إذا ما نظرنا إلى حقيقة الأمر نجد أن جميع الأوامر النبوية لا تفرض تكليفًا نهائيًّا، مهما يكن شأنه، شرعيًّا أو دينيًّا، إلا بقدَرٍ، وبشرط أن ترتدي الفكرة التي يشتمل عليها صفة الوحي، صراحة أو ضمنًا.
فإذا عدمت هذه الصفة الإلهية لم يعد للدرس أو المثال الذي قاله "الإنسان" سلطان على أحد.
وقد وردت هذه التفرقة مشارًا إليها في النص القرآني، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٥.
على أن النبي -ﷺ- هو الذي قرر ذلك بأوضح وجه وأصرحه، حين قال: "إذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله" ٦.
ولم يكتف النبي -ﷺ- بإعلان أن آراءه حول أمور الدنيا ليست معصومة
_________________
(١) ١ النساء: ٦٥. ٢ النساء: ٨٠. ٣ الحشر: ٧. ٤ النور: ٥٦. ٥ الأنفال: ٢٤. ٦ رواه مسلم - كتاب الفضائل - باب ٣٨، والفقرة الأولى من النص الذي ذكره المؤلف من حديث عن رافع بن خديج -﵁- والفقرة الثانية من حديث عن طلحة بن عبيد الله، وكلاهما وارد بمناسبة حادثة تأبير النخل: "المعرب".
[ ٣٨ ]
من الخطأ، من حيث كانت خارج نطاق رسالته، وهو في ذلك يقول لصحابته ولأمته: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ١ -وإنما أضاف إلى ذلك أنه ربما يقع في أخطاء، صغيرة أو كبيرة، حين يتعرض لموضوع من موضوعات رسالته الإلهية نفسها، أعني: النظام الأخلاقي، أو التشريعي، أو العبادي، ما لم يكن مؤيدًا بالوحي.
وهكذا وجدنا القرآن يعاتبه في مواقف كثيرة؛ لأنه رق لحال المشركين، فوقف منهم موقفًا يتسم بالرحمة، حيث كان ينبغي أن يكون أكثر تشددًا: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ٢. ويخاطبه في موقف آخر: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ٣. وفي موقف ثالث: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٤.
ومن أمثلة ذلك أيضًا موقفه في إحدى حالات السرقة التي رفعت إليه، على ما ورد في القرآن، فكاد يخدع في حكمه، ولولا مساعدة الوحي له لأدان البريء، وبرّأ المذنب، وفي ذلك يقول القرآن: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ٥
_________________
(١) ١ مسلم، السابق. ٢ الأنفال: ٦٧. ٣ التوبة: ٤٣. ٤ التوبة ١١٣. ٥ النساء: آيات ١٠٦-١١٣، وقد ذكر الواحدي في أسباب النزول - ١٢٠ مناسبة نزول هذه الآيات، وذلك أن رجلًا من الأنصار يقال له: طعمة بن أبيرق، أحد بني ظفر بن الحارث سرق درعًا من جار له يقال له: قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار، وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده، وحلف لهم: والله ما أخذها وما له به من علم، فقال أصحاب الدرع: بلى، والله قد أولج علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره فرأينا أثر الدقيق، فلما أن حلف تركوه، واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه، فقال: دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك. فقالت بنو ظفر، وهم قوم طعمة: انطلقوا بنا إلى رسول الله -﵌- فكلموه في ذلك، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح، وبرئ اليهودي، فهمّ رسول الله -ﷺ- أن يفعل، وكان هواه معهم، وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى الآيات. اهـ. "المعرب".
[ ٣٩ ]
وليس يخرج عن هذا السياق تلك العظة البليغة التي وجهها النبي -ﷺ- ذات يوم إلى متخاصمين قبل أن يفصل بينهما، قال -صلوات الله عليه- فيما روي عن أم سلمة: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" ١.
وفضلًا عن ذلك كان يحدث له أحيانًا، وهو يؤم صلاة الجماعة أن ينسى، أو يزيد فيها بعض التفاصيل، مما يخالف صحتها. وفي ذلك يروي البخاري: فلما سَلَّمَ قيل له: يا رسول الله، أحدَث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك"؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" ٢ إلخ.
فالنبي -ﷺ- يعلن في موقف معين أنه معصوم، حين يكون مبلغًا -كما رأينا- أمرًا، بوصفه رسول الله، فإذا ما بلغ رسالته، وبينها للناس واستودعها ذاكرة الجماعة، فإن النقص الفطري الذي لا يفتأ يصيب انتباه الإنسان مهما يكن عقله قويًّا ذكيًّا -قد يجوز أن يظهر أحيانًا عنده، ولكن مع فارق هام هو: أن النبي -ﷺ- لا يمكن أن يستمر مطلقًا على رأي خاطئ وإذا لم يعد إلى الصواب بالطريق المعتادة فإن الوحي يتدخل حتمًا لتصحيح خطئه، وإقامته على الصراط المستقيم، وإلا وقعت الجماعة كلها في الخطأ، والتزمت باتباعه في طريق الضلال. والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
_________________
(١) ١البخاري، كتاب الأحكام، باب ١٩. ٢ البخاري، من حديث في كتاب الصلاة، باب ٣١.
[ ٤٠ ]
لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون﴾ ١.
فلولا هذا التقويم المستمر لنجم عن تخلفه أن تصبح كل أوامر النبي وأحكامه التي لم يقومها الوحي -موافقًا عليها ضمنًا، ولتلقاها الناس، ومعهم الحجة البالغة، على أنها أحكام إلهية. وقس على ذلك سائر أحواله، حين يعمل، فهي معدودة من حيث المبدأ أمثلة يُقتدى بها، وينظم المسلمون على أساسها سلوكهم، ما لم يصدر عنه ما ينقضها.
وموجز القول: أن كل حديث صحيح لم يرد ما ينسخه، وكان موضوعه جزءًا من رسالة النبي -ﷺ- بحيث أصبح في نهاية الأمر تعبيرًا عن الإرادة الإلهية -هذا الحديث له في نظر المسلمين نفس السلطة الأخلاقية التي للنص القرآني. ولو اشتمل الحديث علاوة على ذلك، تفصيلات وتحديدات، أكثر مما اشتمل عليه النص القرآني -فإن هذا الحديث هو الذي يحكم النص القرآني٢ فهو يفسره، ويحدد أهميته، ويبين نماذج تطبيقه.
_________________
(١) ١ التوبة: ١١٥. ٢ "السُّنة قاضية على الكتاب" - نص حديث أورده الدارمي في السُّنة - المقدمة - باب ٤٨. بيد أن أحمد بن حنبل حين سئل عن هذا الحديث قال: "لا أجرؤ أن أقول هذا، وإنما أقول: إن السُّنة تفسر القرآن وتبينه"، ولا شك أنه يريد بهذا أن يقول: إذا كان راوي الحديث قد أورد الفكرة الأساسية فإنه قد استخدم تعبيرًا غريبًا، أو جريئًا بعض الشيء، بحيث يبدو أنه يقلب الترتيب المعتاد بين السُّنة والقرآن، والواقع أنه لو حدث أن رويت عبارة منسوبة إلى النبي، وكانت غير متفقة مع مبدأ مقرر في القرآن، فإننا نرفض هذه العبارة وجوبًا، على أنها غير صحيحة. ومن ذلك عبارة: "إن الميت يعذب ببكاء أهله" - فقد ردتها عائشة، ذاهبة إلى أنها يجب أن تكون رواية مشوهة محرفة؛ نظرًا لتعارضها مع الآية القرآنية: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] التي تضع مبدأ هو: أن أحدًا لا يمكن أن يتحمل وزر غيره. "البخاري، كتاب الجنائز، باب ٣٢".
[ ٤١ ]