٤- الجزاء الإلهي:
طبيعة الجزاء الإلهي، وأشكاله:
لقد آن لنا أن نسأل أنفسنا عن طبيعة الجزاء الإلهي ومجاله، على ما وصفه القرآن.
فعلى حين تجعل التوراة السعادة الموعودة في طيبات هذا العالم، ويحصرها الإنجيل تقريبًا في السماء، نجد أن القرآن -كما سبق أن وضحنا- يريد أن يجمع هذين المفهومين، وأن يوفق بينهما.
والحق، أن الأمر بالنسبة إلى القرآن أمر مصالحة وتوفيق، فهو يريد أن يثبت في وحدتهما الأولية عنصرين متكاملين لواقع واحد، عمل الشراح
[ ٣٤٣ ]
الكتابيون بصورة ما على شطره، حين ألح كل فريق من جانبه، إلحاحًا شديدًا على الجانب الذي تركه الآخر في كنف الغموض.
ومع ذلك، فلو كان الأمر أمر توفيق أو مصالحة فقط لما نهض هذا الجمع بين النظامين مطلقًا بتفسير النظام القرآني؛ لأن مبدأ هذا التركيب حين وضع، زاد القرآن في تحديده وأثراه، حين أدخل فيه كثيرًا من العناصر الجديدة.
ولنذكر أولًا الآيات التي يكتفي القرآن فيها بإقرار هذا المبدأ على وجه الإيجاز، إنه يعلن أن الجزاء الإلهي -دون أن يحدد طبيعته- سوف يحدث في موعدين، يستوي في ذلك الصالحون، والطالحون؛ وفي الصالحين يقول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١، وفي الطالحين يقول سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. ولئن كانت الآيات التي أشرنا إليها آنفًا لا تحدد طبيعة الجزاء الإلهي، فإن النصوص في مواضع أخرى تحدثنا عن طبيعته على نحو يتفاوت في تفاصيله. ومع أنه يشق في بعض الحالات أن نقرر عن أي الحياتين يتحدث، في مثل
قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ٣ -فلسوف نحاول أن نبحث على حدة كلًاّ من لحظتي هذا الجزاء الإلهي: في العاجلة، وفي الحياة الأخرى الآجلة.
_________________
(١) ١ بالنسبة إلى الخير: ٢/ ٢٠١ و٣/ ١٤٨ و٤/ ١٣٤ و١٢/ ٥٦ و٥٧ و١٦/ ٣٠ و٤١ و٩٧ و١٢٢ و٢٩/ ٢٧ و٤١/ ٣١ "= ٨ أو٣ ب". ٢ وبالنسبة إلى الشر: ٢/ ٨٥ و١١٤ و٣/ ١٢ و٥٦ و٥/ ٤١ و٩/ ٧٤ و١٧/ ٧٥ و٢٢/ ٩ و١١ و٢٤/ ١٩ و٣٢/ ٢١ و٣٩/ ٢٦ و٤٠ و٤١/ ١٦ و٧١/ ٢٥ "= ٦ أو٩ ب". ٣ البقرة: ٢٧٦.
[ ٣٤٤ ]