٣- نظام التوجيه القرآني، ومكان الجزاء الإلهي:
لقد تناولنا حتى الآن التشريع القرآني في الجزاء الأخلاقي، والجزاء الشرعي، وعلى الرغم من اختلاف طبيعتها، وتعارض مجالات تأثيرهما، ومناهجهما، وأهدافهما، حيث يؤثر أحدهما مباشرة على النفس الإنسانية،
[ ٢٧٥ ]
ويستهدف المطلق، على حين لا يبلغ الآخر مباشرة سوى الحواس الظاهرة، ولا يرى أمامه سوى النظام الاجتماعي. على الرغم من هذا كله، فإن بين نوعي الجزاء اللذين درسناهما آنفًا حظًّا مشتركًا، هو أنها ينتميان إلى مجال الواقع، وأنهما يمارسان في هذه الدنيا.
وعلينا أن ندرس الآن طبيعة الجزاء الإلهي، وامتداده، ثم نحدد مكانته في نظام التربية الأخلاقية القرآنية.
إن في العالم غير الإسلامي فكرة ذائعة تقول بأن محمدًا -ﷺ- لم يلق عنتًا في هداية الشعب العربي؛ لأن الحرارة المحرقة، وظروف الحياة القاسية كانا لديه وسيلتين مؤثرتين لاجتذاب قومه، ودعوتهم إلى حياة أفضل، لقد قال لهم: افعلوا ما آمركم به، ولسوف يعطيكم الله أنهارًا وجنات، تأكلون فيها وتشربون ما تشاءون.
ولم يكن من شأن الأدب الشعبي وحده أن يدور حول هذه الفكرة: "جنة محمد". ولكن مؤرخين وفلاسفة كثيرين١ قد رددوا نفس المقالة، ولم يتخلصوا من تأثير هذه الأفكار الجارية، المقتبسة عن أفكار سابقة، هي في أغلب الأحيان منقولة سماعًا.
إن أولئك الذين ألفوا دراسة التاريخ العربي الإسلامي يدهشون من هذه الطريقة في تصور الأمور، ويستطيعون، على الأقل أن يقولوا: أنها تستند إلى معطيات مبتورة، فالصورة التي يقدمونها إليهم، وهم يصفون الشعب العربي في هذا الضوء المادي المسرف -تبتعد فعلًا عن الواقع نهارًا جهارًا،
_________________
(١) ١ انظر في ذلك مثلًا: Kant، Critique De La Raison Pratique، P. ١٣٠. G.-Demombynes، Institution Musulmanes، P. ٦٢-٣.
[ ٢٧٦ ]
حتى إنها تتجاهل السمة الجوهرية لهذا الشعب، الذي عرف في كل زمان بزهده وقناعته المفرطة، كما عرف بروحه الأبية والشعرية المتحمسة، وإن ما تقدمه هذه الصورة من المثالية الإسلامية، ورؤاها المنزهة -لجد قليل.
أما نحن، فلسنا نريد أن نتوقف عند اعتبارات عامة على هذا النحو، معتقدين أن الفصل في هذه المسألة يقتضي في أبسط حالاته وأعدلها، أن نرجع بها إلى النص ذاته. والواقع أننا حين نقرأ القرآن ندرك جيدًا الطريقة التي يفرض بها تكليفه الأخلاقي، ونقتنع بأن القول الذي يصدر عنه هذا التكليف هو أشد تركيبًا من أن ينتهي إلى هذه الصورة الفجة، التي يريد بعض الناس أن يعطيناها.
بيد أننا لو قمنا قبل ذلك بمقارنة مع بعض نصوص الكتاب المقدس الذي استطاع التراث المسيحي أن يستبقيه لنا، فإن ذلك سوف يكون مفيدًا، إذ يعين على استخراج المفهوم القرآني في هذا الموضوع، بما يتميز به من تركيب وغناء.
[ ٢٧٧ ]