هنا نقف أمام نوع من المشقة البدنية، التي تحدث خلال أداء الواجب، ولكنها قلما تكون جانبًا منه. فالألم بطبيعته لا يمكن أن يكون موضوع تكليف؛ لأن كل ألم -بمقتضى التعريف- انفعال، وليس عملًا.
ولكن قد يقال لنا: إذا لم يكن ممكنًا أن يكون موضوعًا مباشرًا لتكليف، فقد يكونه بوساطة عمل معين، يصلح لإثارته، وإذن فمن الممكن أن يعبر عن الأمر بالصوم في هذه الكلمات: "أذق نفسك ألم الجوع والعطش بامتناعك عن الشراب والطعام، خلال ساعات محددة".
ونجيب عن ذلك بأنه لو كان الأمر هكذا فلن تكون هنالك وسيلة
[ ٦٣٦ ]
للطاعة، في وسع من لا يحس بهذا الحرمان المحدد، ما دام تطويل الصوم زيادة على ساعاته محرمًا، كتحريم قطعه قبل موعده. وإذا علمنا أن أولئك الذين يرعون القاعدة بإخلاص متساوون في الطاعة، بصرف النظر عن رد الفعل الخاص في أجسامهم، لنتج عن ذلك بداهة ألا يدخل الألم البدني هنا في الحساب، كجزء من الواجب، بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة.
والواقع أن الواجب شيء آخر، وقد كان من طريق الصدفة أن وجدت له علاقة بالألم. والجهد الذي نبحثه هنا ذو طابع أخلاقي أساسًا، إنه أولًا، وقبل كل شيء نوع من "التدريب" المفروض على "الإرادة الإنسانية"، حتى نحصل منها على قدر من الانتظام، والثبات، في خضوعها "للإرادة الإلهية". ولما كانت إرادتنا سيدة نفسها، من حيث تسيطر على بدنها، ولكنها نائبة الرئيس -إن صح التعبير- أمام الخالق، فإن مهمتها أن توفق بين هذين الأمرين بإتباع أحدهما للآخر، وخيرها يكمن في التزامها بدور الوسيط الذي يعرف قدر نفسه، وشرها في أن تقلب هذا النظام الأصلي، فتتردى إلى أسفل، وتكون مسترقة للشهوات.
ولتيسير هذه المهمة كانت الشعيرة المقترحة غاية في السهولة، نظام غذائي يتبع، شهرًا في كل عام، وهو نظام ينظم الساعات، دون أن يمس كمية الغذاء أو كيفيته: فإذا طلع الفجر أمسك الصائم عن تعاطي أي شيء خلال النهار، وبعد مغرب الشمس يصبح كل شيء مباحًا. وهذا التنظيم نفسه ينطبق على العلاقات الجنسية.
وهكذا تتلقى نائبة الرئيس "أي: الإرادة" بمناسبة عمل واحد أمرين متعارضين، في كل يوم مرتين: أحدهما بأن تكف، والآخر بأن تعمل، فإذا ما حرصت إرادتنا على القيام بتنفيذ هذين الأمرين في مجالها الخاص، ومن أن تعيد نفس التدريب خلال الشهر فيا له من ترويض لهذه الإرادة!
[ ٦٣٧ ]
ذلك أنه كلما كثرت طاعة المرء أصبح طائعًا، كما أنه كلما تمرس بالقيادة يصبح قائدًا. ومع ذلك إن هذا التدريب لم يكن لكي نتوقف عند الموضوع المادي الذي يستخدم فيه، إنه يستهدف مجموع سلوكنا، فمن أقبل خلال صومه على كل آثم من القول أو الفعل -لم يستفد من الدرس، إذ يكون قد فرض على نفسه تضحيات لا جدوى منها، حين حرم نفسه من الأكل والشرب، على حين لم يحقق مقاصد الأمر السماوي، وفي هذا يقول رسول الله -ﷺ- فيما رواه أبو هريرة: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ١.
إننا لم نستلهم المغزى الأخلاقي للصوم، على ما حددناه آنفًا، من المسلك العام للتعليم القرآني فحسب، وإنما هو مبسوط في نفس النص الذي يأمر بهذه الشعيرة، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢، والرسول -ﷺ- يقول: "الصوم نصف الصبر"٣ ويقول أيضًا: "الصوم جنة" ٤.
وليس في هذه النصوص، ولا في غيرها٥، فيما أعلم، أية إشارة إلى
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب ٨. ٢ البقرة: ٧٩. ٣ مسند أحمد ٤/ ٢٦٠. ٤ السابق ١/ ١٩٥. ٥ قد يعترض على هذا بالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ . فهي تجعل الصيام طريقة للتكفير عن الذنب. بيد أن قراءة النص ذاتها تكفي لبيان أن المراد هو الألم الأخلاقي اللازم للتوبة: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِه﴾ . فالمطلوب هو أن يشعر المخطئ بفداحة عمله الماضي، لا أن يشعر بالحرمان المادي الذي يتحمله الآن. ومع ذلك فكيف نطبق مقصد هذا الألم البدني على طريقة الجزاء الأخرى "القربان والصدقة"، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة في نفس الوقت؟
[ ٦٣٨ ]
الألم البدني، باعتباره واجبًا، أو نتيجة من نتائج الواجب التي تستهدفها الشريعة.
وليس يغض من صدق هذا القول أن من الممكن حدوث هذا الألم، بل إنه نتيجة طبيعية للحرمان، وكثيرًا ما نلاحظ لدى الصائمين، سواء في البداية، أو على مدى الصوم، شعورًا بالضيق، يضعف أو يقوى، وهو ناتج على الأقل عن تغيير النظام، ولكن أمرًا جديدًا يفرض نفسه في هذه الحالة.
ذلك أن الواجب ليس أن نعتصم بالصبر، ونتشبث بالكرامة، فقط في مواجهة حدث مغم لا يمكن تفاديه١، من مثل ما تحدث عنه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ٢،
_________________
(١) ١ ونقول: لا يمكن تفاديه؛ لأن من الواضح أن واجبنا لن يكون نفس الواجب أمام المشاق التي تحدث بطريقة طبيعية، كالأمراض، والحوادث، وهي أمور قابلة للتغيير أو التلطيف، فمثل هذه الشرور لا تحدث لكي نتخذ منها موقفًا سلبيًّا، بل إنها تثير جهودنا وتستحثها إلى مقاومتها، وقهرها، وفي ذلك يقول الرسول -ﷺ- فيما روي عن أبي هريرة: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" "صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ١". ويقول -﵊- فيما روي عن جابر: "لكل داء دواء. فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ﷿" "صحيح مسلم، كتاب السلام، باب ٢٦". ويقول، صلوات الله وسلامه عليه: "فتداووا ولا تداووا بحرام" "أبو داود، كتاب الطب، باب ١٠". ومن الممكن القول بأن هذه العناية المادية لا تعتبر دائمًا واجبًا لازمًا، وشاملًا. وهؤلاء الذين لديهم من الهموم أعظم مما ينظرون إلى أجسادهم يفضلون أحيانًا أن يتحملوا الأوجاع البدنية بشجاعة عن أن يلجئوا إلى مداواتها، أو إلى تصرفات غير عادية، أو بالغة القسوة، من مثل ما أشار إليه قوله، ﵊: "هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون" "صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ٩٢". ٢ البقرة: ١٥٠.
[ ٦٣٩ ]
بل إن هنالك فرصة ممتازة يجب أن نهتبلها، كيما نتأمل تأملًا سليمًا في طبيعتنا، وعلاقتنا بالله، وبالناس.
بأي خشوع -في الواقع- يتعين علينا أن ننظر إلى ضعفنا تحت ضغط الضرورات على أبداننا: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ١.
وأية عظمة، وأي إحسان، نحن مدينون بهما لله، الذي وهبنا هذا النور: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢.
وأخيرًا لنذكر بعض إخواننا الذين يتألمون في حياتهم العادية، دون أن تضطرهم إلى ذلك تكاليف أخلاقية أو ظروف طبيعية عامة. إن مساعدة البائسين، التي أوصى الله سبحانه بها -خاصة- في شهر الصوم، والتي تصبح تكليفًا صريحًا عقب الصوم -هذه المساعدة ليست سوى نتيجة منطقية، ومحصلة لهذه العبادة.
وأيًّا ما كان أمر هذه المنافع ذات الطابع الأخلاقي، أو تلك المنافع الأخرى ذات الطابع العضوي "أو الفسيولوجي" فمن الواضح لأعيننا أن الألم البدني الناشئ عن الحرمان ليس من أهداف الشارع الإسلامي. ولئن كان ينجم أحيانًا من أداء واجب أخلاقي فإنه يفرض بدوره واجبات أخرى. بل إن الإمساك المتطاول، على رغم هذا الألم، هو عمل باطني من الناحية الإيجابية، تقاوم به الإرادة مطالب الجسد. والجانب المادي في الإمساك يتمثل في تحمل الآلام أكثر من العمل ضدها، فهو يقتصر على عمل سلبي مجرد، ولا يمكن إذن أن يسمى جهدًا صريحًا.
_________________
(١) ١ النساء: ٢٨. ٢ البقرة: ١٨٥.
[ ٦٤٠ ]
وهكذا نستطيع أن نحدد في كلمتين موقف القرآن بالنسبة إلى "مشكلة الألم البدني في الأخلاق"، "فليس حتمًا أن نبحث عن هذه التضحية، بحيلة متعسفة، ولا أن نهرب منها حين تفرض ضمن واجب من الواجبات".
هاتان القضيتان تستخلصان بوضوح أكثر عندما نتأمل بنظرة فاحصة كيفية تطبيق هذا المبدأ القرآني فيما قدم النبي -ﷺ- من حلول، في مختلف المسائل الخاصة. وحسبنا أن ندرس في هذا الصدد قضيتين متنافيتين، طالما ناقشهما الأخلاقيون المسلمون، محاولين توضيح بعض جوانبهما:
[ ٦٤١ ]