تزوج إبراهيم -﵇- من ابنة عمه سارة، واستقرا بجوار "بيت المقدس" بعد ترحال من بلدهما "كوثى" إلى "حوران" إلى مصر، وقد بلغ سن إبراهيم مائة وعشرين عاما، وبلغت سارة التسعين، ولم تنجب بعد لعقمها، وفجأة جاءت الملائكة لإبراهيم تبشره بولد تلده "سارة"، وعن هذه البشارة يقول الله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ١
كانت سارة تقوم بخدمة ضيوف زوجها، وتسمع حديثهم من وراء ستر، فضحكت تعجبا من هؤلاء الضيوف الذين لا يأكلون، ولا يمدون أيديهم للطعام، وقيل: ضحكت سرورا بالبشرى التي حملتها الملائكة لها؛ لأنها علمت أنها ستنجب "إسحاق"، وستعيش حتى ترى ولده "يعقوب"، وقيل: ضحكت بمعنى حاضت.
ولقد اصطفى الله تعالى إسحاق، وكلفه بالرسالة، واختاره ليسير على خطا أبيه إبراهيم -﵇- يقول الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٧١. ٢ سورة الصافات الآيات: ١٠٩-١١٣.
[ ١٨١ ]
فإسحاق -﵇- نبي، ومن الصالحين، هداه الله إلى الدين المستقيم، واختاره لنفسه، وجعله إماما للناس يدعوهم إلى الخير، ويهديهم بأمر الله إلى الدين الحق، ووفقه لإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والمحافظة على كافة جوانب العبادة الصحيحة، التي تسعده في الدنيا، وتذكره بالآخرة، وتجعله من الأخيار الذين اصطفاهم الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ ٢.
يصف النبي -ﷺ- إسحاق -﵇- في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق" ٣.
وقد رُزق إسحاق -﵇- بولدين هما يعقوب وعيصو، و"يعقوب" هو المعروف بـ "إسرائيل" ومنه تناسل الإسرائيليون جميعا، أنبياء وشعبا، إلا أنهم لم يستمروا في بلاد الشام، فلقد ألفوا حياة البادية والتنقل، إلى أن ولي يوسف -﵇- أمر الخزائن والمال في مصر، وجاء إخوته فعرفهم، وقال لهم: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤، و﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ٨٧. ٢ سورة الأنبياء الآيات: ٧٢، ٧٣. ٣ صحيح البخاري بشرح فتح الباري ج٨، ص٣٦١. ٤ سورة يوسف آية: ٩٢. ٥ سورة يوسف آية: ٩٩.
[ ١٨٢ ]
وهكذا ترك الإسرائيليون الشام لأصحابها، ونزلوا بمصر متمتعين بسلطان يوسف ومكانته، واستمروا على ذلك حتى هربوا منها مع موسى ﵇.
إلا أن إسحاق ظل مقيما طوال حياته في أرض الشام بقرية "حبرون"١ التي هي من أرض كنعان، ولقي ﵇ ربه عن عمر يبلغ مائة وثمانين سنة٢، ودفن مع أبيه إبراهيم -﵇- في المغارة التي دفن بها من قبل.
_________________
(١) ١ حبرون بالفتح، ثم السكون، وضم الراء: اسم القرية التي دفن فيها إبراهيم، وسارة، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف -﵈- وهي مدينة الخليل الحالية. "انظر: معجم البلدان ج٢، ص٢١٢". ٢ البداية والنهاية ج١، ص١٩.
[ ١٨٣ ]