"النقطة الثالثة": "ركائز الدعوة في قصة هود"
بعث هود -﵇- لقبيلة متحضرة، تعيش حياة الرقي والمدنية؛ ولذلك يمكن الاستفادة بمنهجيتها في التعامل مع المدنيات الأخرى، والدروس المستفادة منها تعد ركائز للدعوة الإلهية، في كل زمان ومكان.
وسوف أتناول الحديث عن الركائز التالية:
الركيزة الأولى: العقيدة أساس الدعوة
دعا هود قومه، وطلب منهم تصحيح العقيدة، أساس الإيمان، وبين لهم أن العقيدة السليمة تحتاج إلى توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته، وهذا يقتضي منهم أن تكون عبادتهم، وتوجههم لله فقط، وترك عبادة الأصنام والأوثان؛ لأن عبادة غير الله صرف للعمل في غير وجهه، وإضاعة للوقت، والوقوع في الكفر والضلال، وذكّرهم بنعم الله فيهم، فهو ﷾ زادهم في الخلق بسطة، وأمدهم بأنعام وبنين وجنات وعيون، وأعانهم على تشييد الأبنية ذات العماد التي لا نظير لها، وأعطاهم القوة التي تمكنهم من السيطرة والغَلَب. إن هذا كله من آلائه ونعمه التي تحتم عبادته؛ شكرا على العطاء، وطلبا للمزيد، وصرفا للنعمة فيما خلقت له، بمنهج الخالق المنعم.
وركز لهم على أدلة الخلق، والإبداع، والدقة، وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده؛ لأنهم يعلمون أن الأصنام لا تضر، ولا تنفع؛ ليلزمهم بعبادة الضار، النافع، وهو الله ﷾، فله الأمر كله، وإليه يرجعون، فكان خطابه مفهوما، معقولا، يعيش مع حياتهم.
ولكن متى كان للطغيان عقل!!!
[ ٨٦ ]
إن القوة المادية مع الكفر ضلال كبير، تجعل أصحابها يتصورون مقدرتهم على التحكم في كل الماديات، والمعنويات، بل ويظنون قدرتهم على تكوين العقول، وتوجيه كافة شئون الحياة، هكذا شأن الطغيان في كل زمان ومكان!!
إن قوم هود واجهوا هودا بضلالهم هذا، واستمر هو في دعوتهم إلى العقيدة الصحيحة أساس الإيمان، ولم يتأثر بمعارضتهم، ولم يضعف أمام وعيدهم ﵇.
وللمرء أن يتساءل عن السر في تركيز هود -﵇- على التوحيد والتدليل عليه، ولم يبرز بقية أركان العقيدة كما ركز على التوحيد، وأدلته.
والأمر سهل؛ لأن الدعوة الإلهية تركز على الإيمان بالله، وتقدمه على غيره؛ ولذلك ركز هود -﵇- على دعوة التوحيد لشيوع الشرك والأصنام في الناس.
وأيضا، فإن القوم لو آمنوا بالله وحده، وخصوه بالعبادة دون سواه، فإن بقية الأركان تأتي تبعا، وبصورة تلقائية.
ومع ذلك، فإن هودا -﵇- ذكرهم بالرسالة في قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، وذكرهم بالآخرة بقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وعلى هذا، فالدعوة إلى التوحيد شاملة لكل أركان العقيدة
[ ٨٧ ]