نشأ يوسف -﵇- في بيت النبوة، وتعلق به قلب أبيه، وبخاصة بعدما أدرك ما سيكون عليه شأنه من منزلة دينية واجتماعية، وكان يهتم به كثيرا، ويوجهه نحو معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، ويعرفه بالله تعالى، من ذلك أنه لما قص يوسف ما رآه عليه، قال له ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
فلقد رأى رؤياه وهو صغير، يقول وهب: رأى يوسف وهو ابن سبع أن إحدى عشرة عصا طوالا غرزت في الأرض كهيئة الدائرة، وأن عصا صغيرة وثبت عليها حتى ابتلعتها، ورأى رؤية الكواكب وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وفي كل مرة يأتي لأبيه يقص له ما رأى؛ لقوة ما يشعر به من حب وثقة، لأن أباه كان يحيطه بالحنان والرحمة، ويتعامل معه بأخوة وتقدير بعيدا عن الغلظة والقسوة٢، وكان يوجهه نحو ما يحسن خلقه، ودينه، وسلوكه.
ومن التوجيهات التربوية الحسنة المستفادة من الآيات ما يلي:
١- تحذير الولد من أسباب الضرر، وذلك أمر له أهميته في التربية، وعلى الآباء أن يُولوا هذا الجانب عناية خاصة؛ لأن أدوات التوجيه عديدة، وكلها تتجه للولد منذ مولده للتأثير فيه، وأغلبها يهتم بتقديم القيم الفاسدة، ونشر أخلاقيات لا تتناسب مع تعالم الإسلام، وكرامة الإنسان.
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآيات: ٥، ٦. ٢ تفسير الرازي ج٩ ص٨٩.
[ ٢٢١ ]
وكثير من الآباء يهملون توجيه الأبناء في طفولتهم، ظنا منهم أن الوقت لم يحن بعد للتوجيه، والإرشاد، فيتركون الأطفال يلعبون، ويأخذون من هنا ومن هنا، ويفاجأ الآباء بأبنائهم يتمردون على القيم الحسنة، والأخلاق الطيبة، بسبب إهمالهم، وتربيتهم في الوقت المناسب.
لقد أثبت علم النفس أن الطفل يبدأ في اكتساب الخلق والسلوك بعد مولده مباشرة، من أمه وأبيه؛ ولذلك وجب على الآباء أن يعايشوا أبناءهم ويقتربوا من مشاكلهم وقضاياهم، فهم مسئولون عن أبنائهم، يقول النبي ﷺ: "إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، حفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته" ١، ويقول ﷺ: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول" ٢.
ولذلك نعيش مع يعقوب -﵇- وهو يحنو على يوسف، ويحاوره، وينصحه، وكان توجه يوسف إلى أبيه تلقائيا يقص عليه ما رأى، ويسعد برأيه وتوجيهه.
استمع يعقوب لرؤى يوسف الصغير، ولم يعلق عليها بتفسير، وإنما أدرك منها المنزلة العالية التي سينالها يوسف من بين إخوته، ولذلك نصحه بأمور محددة:
الأول: لا تخبر إخوتك بالرؤيا حتى لا يتآمروا عليك، ويتخلصوا منك، حسدا وحقدا، من عند أنفسهم؛ لأن النفس أمارة بالسوء، وهذه حقيقة بشرية، حيث تتملك النفس غير المؤمنة، أنانية طاغية، تدفعها لارتكاب أعمال سيئة، ضد من يتمتع بنعم وافرة، وخير واضح؛ ولذلك يحسن بالإنسان المؤمن إذا أتاه فضل من الله أن يستره ويخفيه؛ لأن المحروم من هذا الفضل يتحول إلى حاسد، حاقد.
وقد رأى يعقوب من بنيه مدى ألمهم، من تصورهم أن يوسف أحب إليه منهم؛ ولذلك كان تحذيره.
_________________
(١) ١ صحيح ابن حبان. ٢ سنن أبي داود.
[ ٢٢٢ ]
وعلى الإنسان أن يعلم عداوة إبليس للناس، ويعلم أنه يستغل النفوس الضعيفة، يوسوس لها، ويحرضها على المعصية، ويزين لها السوء.
الثاني: دعوة الولد إلى الاستقامة في الخلق والسلوك، عسى أن يختاره الله، ويوفقه لاكتساب المعارف والعلوم الدينية، وقد دعا يعقوب -﵇- يوسف إلى ذلك قائلا له: إن الله سبحانه كما أراك مستقبلك قادر على اصطفائك، واختيارك، وتعليمك، وإتمام نعمته عليه بالنبوة؛ لتكون امتدادا لفضل الله الذي جعله لأبويك من قبل إبراهيم، وإسحاق ﵉.
وفي تذكير يعقوب -﵇- ليوسف -﵇- بآبائه الرسل، عامل تربوي، يجعله يسير على هداهم، ويتمنى لنفسه أن يكون رسولا مثلهم، فالإنسان يعتز بآبائه، ويتمنى أن يتشبه بهم، ويسعد كثيرا بالتواصل المتين مع أصوله وقبيلته، ولكن هل هذا مناسب لعقلية الطفل الصغير؟
الإنسان في مرحلة الطفولة شديد التعلق بأبيه، سريع التأثر به، يحب ملازمته ويتمنى أن يكون معه دائما.
ويمكن للوالد أن يوجه ولده الصغير إلى القيم الدينية، والاجتماعية، بأسلوب سهل، يستطيع الصغير أن يتصوره.
وقد وجه يعقوب -﵇- يوسف الصغير إلى الله، وبين له أن الله كما أراه الرؤيا الصالحة، فإنه يديم خيره، وفضله عليه بالعلم، والطاعة، والنبوة.
وقد تم له ما عمل له، فتفوق يوسف في العلوم، وبخاصة في تأويل الرؤيا، وتنظيم أمور المعاش، وإقامة العدل، والالتزام بالصدق والأمانة، والمحافظة على حق الله وحق الناس، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
[ ٢٢٣ ]
لَا يَعْلَمُونَ، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
وقد عاش يوسف مؤمنا بالله تعالى، مطيعا له سبحانه، ملتجئا لجنباته في كل حالاته، حيث نراه يستعيذ بالله من فعل السوء، ويدعو الله ليصرف عنه كيد النسوة، وفي نهاية قصته يقر بنعمته عليه، وعلى أهله، وعلى الناس أجمعين، ويقول: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وهكذا يعدد كافة النعم التي عاشها، وتمتع بها إخوته، وأهله، ويشكر الله على عطائه، وفضله.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٢١، ٢٢. ٢ سورة يوسف آية: ١٠٠.
[ ٢٢٤ ]