الإيمان بالله تعالى، والاستجابة الصادقة لدعوة الرسول، من أهم عوامل تأليف القلوب، وتحقيق الوحدة بين المؤمنين؛ لأن هذا التآلف جزء من الإيمان نفسه، وحين يعجز المؤمن عن تحقيقه في ذاته، فعليه أن يتهم نفسه بضعف الإيمان؛ لأنه لو صدق في إيمانه لشعر بأخيه المؤمن جزءا متمما لإيمانه، فالمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، يقول النبي ﷺ: "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ١.
وفي قصة نوح -﵇- ما يؤكد قوة الرابطة الإيمانية، وضرورتها للتآلف، وتحقيق التماسك بين المؤمنين؛ لأنها لو فُقدت فلا قيمة لأية رابطة، وبخاصة مع المؤمنين، يقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي، باب تراحم المؤمنين ج٥، ص٤٤٧ ط دار الشعب. ٢ سورة المجادلة آية: ٢٢.
[ ٧٤ ]
إن رابطة الإيمان تربط القلوب، وتوحِّد الأجساد، وتقوى بمعونة الله تعالى؛ ولذلك فهي دائمة مستمرة في الدنيا وفي الآخرة، وأصحابها هم المفلحون، وهم حزب الله، أما أعداء الله فهم منقطعون عن المؤمنين، لا مودة معهم، فهذا ابن نوح ظل على كفره ولم يدخل الإيمان قلبه، فأغرقه الله مع الكافرين، ولم يَقْبَل طلب نوح فيه، وقال له: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ١؛ ذلك أن نوحا -﵇- طلب من ربه أن ينجي له ولده، فعرفه الله بانقطاع الصلة به؛ بسبب عدم إيمانه، ولفظ الآية صريح في عدم جدوى رابطة النسب إذا انتفت رابطة الإيمان.
وكما أغرق الله تعالى ابن نوح بسبب عدم إيمانه، أغرق كذلك زوجته بسبب عدم إيمانها هي الأخرى، وجعلها الله مثلا للكافرات، ولحكمة أرادها الله تعالى جعل زوجة نوح وولده من الكافرين؛ ليهلكا مع المغرقين، وليعلم كل إنسان بعدهما أن الإيمان هو طريق النجاة، وأنه صانع القرابة الحقيقية، فالزوجة الكافرة، والابن الكافر، ليسا من أهل الزوج المؤمن، والأب المؤمن؛ لأن الكفر يفرق بينهما، أما الإيمان فإنه العروة الوثقى بين المؤمنين، وهو الصلة القوية الدائمة بينهم.
ولعل قوة الإيمان في التأثير ترجع إلى أنه يتم بناء على اقتناع ورضى، بينما غيره من العوامل يتم بطريقة عفوية لا دخل للإنسان فيه، وأيضا فإن الإيمان عامل يزداد بالإخلاص فيه، أما العوامل الأخرى فهي ثابتة لا تقبل الزيادة، يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٤٦. ٢ سورة التوبة آية: ٧١.
[ ٧٥ ]
ومن أثر الإيمان إقامة مجتمع نظيف المشاعر، نظيف التفكير، نظيف العمل والتعامل، ويكفي أن كل فرد فيه يؤدي واجبه، وينال حقه بصورة سهلة وتلقائية.
إن أفراد المجتمع المؤمن يتعاونون على البر والتقوى، وتتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، لا فرق بين كبير وصغير إلا بالتقوى.
إن أفراد المجتمع المؤمن يحافظ كل منهم على أخيه؛ ماله، وعرضه، ونفسه، وأماناته؛ طاعة لله تعالى.
ومن أثر الإيمان تحقيق النصر في النهاية للمؤمنين، كما وعد الله تعالى وهو يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقد نصر الله تعالى نوحا -﵇- وأتباعه، ونجاهم من الغرق وحقق للمؤمنين وعده، وحقق للكافرين وعيده.
ولا يمكن لعقل أن يتصور الكيفية التي سينجو بها نوح -﵇- وأتباعه قبل وقوعها لقلتهم وضعفهم، لكنها حدثت بقدرة الله تعالى، وبعدها قال الله لجنده: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
إن النصر الإلهي للمؤمنين حقيقة مؤكدة، وقد رأيناه مع نوح وقومه، ويستعجل بعض المؤمنين نصر الله تعالى، ويتصورونه بمجرد إيمانهم، ومع رجائنا سرعة إتيان النصر، إلا أننا نشير إلى أن النصر يأتي لقوم يستحقونه بعد اختبارهم بالبلاء، وامتحانهم بالمصائب، والخوف، والجوع، ونقص الأموال والثمرات، وإيقاع الأذى بهم من أعداء الله تعالى.
_________________
(١) ١ سورة الروم آية: ٤٧. ٢ سورة هود آية: ٤٤.
[ ٧٦ ]
إن الابتلاء ضرورة حتمية، وللنصر وقته الذي حدده الله تعالى؛ ولذا قال لنوح ﵇: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
ومن أثر الإيمان بقاء ذكر أصحابه في الدنيا، واستمرار الخير في ذريتهم، وهذا ما تحقق لنوح -﵇- وأتباعه، يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
وهذا أمر له أهميته في الحياة البشرية؛ لأن الإنسان يتعلق بذريته، ويتمنى الخير لهم من بعده، ولا يتحقق ذلك على وجه الحقيقة إلا بالإيمان والتقوى، يقول الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ ٣.
ولعل من أعظم ثمرات الإيمان ما يناله المؤمن بعد لقائه ربه من روح، وريحان، وجنة نعيم، وفي كل ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٤٩. ٢ سورة الصافات الآيات: ٧٧-٧٩. ٣ سورة النساء آية: ٩.
[ ٧٧ ]