عاش يوسف في السجن مدة، ومع ذلك لم ينس أنه صاحب عقيدة صحيحة، وأن عليه أن يوصلها للناس؛ ليؤمنوا بها، ويتحولوا إلى الالتزام بتعاليمها.
وهذا مسلك الداعية دائما مع دعوته؛ لأنه يعيش لها، وبها، ولا يرى لنفسه وظيفة سواها.
ونتصور يوسف -﵇- ينشر دعوته بين المسجونين، بعدما عرف بينهم بالصلاح والخلق الكريم.
صحيح أن القرآن الكريم عرض صورة واحدة للدعوة قام بها يوسف مع صاحبيه، لكني أعتبر هذه الصورة نموذجا لسلوكه في السجن مع الناس، وآثر القرآن ذكر هذا النموذج تصويرا لمسار يوسف مع الدعوة، ومعلما رئيسيا في حياته، وفي نفس الوقت ففيه الغناء لإعطاء تصور كامل عن منهج دعوته "﵇".
[ ٢٢٦ ]
لو لم يكن يوسف مخلصا لدعوته لآثر الصمت، ولعاش في السجن حزينا، شاكيا، متأثرا بالآلام التي تلاحقه من إخوته، ومن النسوة، ومن الملك ولظل يسائل نفسه من أحق بالسجن، أنا أم هؤلاء؟
لكنه -﵇- لم يعش هذه الآلام، وإنما أسلم أمره الله، ورضي بقضائه وقدره، وأعلن ذلك لرفقائه في السجن، قائلا ما حكاه الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
إن معرفته بالله أسلمته لقدرته ﷾، فالحكم كله له، وعلى الإنسان أن يستسلم لجلاله، ويفنى في عبادته، ويلازم دينه القويم، ومنهجه المستقيم. لقد تحول السجن في حياة يوسف إلى مدرسة متكاملة، أغنته عن الأهل والأصحاب وأمدته بالوقت الذي استثمره في التأمل، والطاعة، والعبادة، والدعوة، حيث اشتهر في السجن بالإحسان، والكرم، وحب الخير لرفقائه أجمعين، والإخلاص في أخذهم إلى الله، وتعريفهم بخالقهم، فهو واحد لا شريك له في ألوهيته، وربوبيته، وليس له ند، ولا يصح أبدا أن يتخذ الإنسان مع الله شريكا من هوى النفس، أو من ضلالات الناس.
والحكم والتشريع كله لله فقط، ولا يجوز مطلقا أن يقوم غيره بهذا الأمر، سواء كان فردا أو جماعة، حتى لا يكون شريكا لله في ألوهيته وحاكميته.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٤٠.
[ ٢٢٧ ]
والعبادة بمفهومها الواسع تعني الخضوع المطلق، والطاعة الشاملة، ولا تكون إلا لله.
ويدرك العقل مدى الترابط بين هذه المفاهيم المستفادة من الآيات، فقصد العبادة لله نتيجة حتمية لكونه الحاكم الواحد، وهذا الحكم ملازم لوحدانيته، وقدرته.
إن الواحد القهار لا بد أن يكون حاكما، ولا بد أن يعبد وحده عن استحقاق وتمكن، ولا شيء لغيره من ذلك أبدا.
وكأني بـ "يوسف" -﵇- حينما جاءه رسول الملك ليخرجه من السجن، وهو يقول له: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ كأني به يفضل حياة السجن داعيا، مؤمنا، على الحياة خارج السجن متهما منبوذا، فلما ظهرت براءته خرج ﵇ إلى عالم الحرية، يطلب حقه إفادة للناس: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ .
[ ٢٢٨ ]