الركيزة الثانية: المترفون هم أعداء الدعوة:
أدى الترف بـ "عاد" إلى الكبر، والاستعلاء، وتصوروا أنفسهم فوق الناس أجمعين، وأبوا أن يكون هود -﵇- رسولا إليهم.
ووصل بهم الضلال إلى السخرية بهود ودعوته، واتهموا عقله وخلقه، وتمسكوا بما هم عليه من كفر، وأخذوا يجادلون في آلهتهم بلا دليل من العقل أو الشرع، معتمدين على قوتهم، وجاههم، وغناهم، وعلى ما لهم بين الناس من تقدير.
إن الذين واجهوا هودا بالرفض، والجدل، هم الملأ، والمراد بهم علية القوم الذين امتلأت خزائنهم بالأموال، وملئوا المجالس حديثا، وريادة، وتوجيها، وملئوا عقول العامة بالضلال والفساد.
[ ٨٨ ]
وأوحى الله إليه بأن القوم لن يؤمن منهم أحد بعد ذلك
ب- استمر مستمسكا بالخلق الكريم طوال دعوته، وكان يقابل السيئة بالحسنة، والعدوان بالعفو، والغضب بالحلم، وكان ﵇ إذا رد شتائمهم يردها بأسلوب مهذب، وكلمات رقيقة، ينفي التهمة ولا يتهم فهم يتهمونه بالسفه، والجنون، والضلالة، فيرد عليهم قائلا: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
ج- ركز خلال دعوته على قضيته، وفصل لهم في شأنها كل شيء، وناقشهم في معارضاتهم، وقدم لهم الأدلة والبراهين وفق مداركهم، وكان إذا تحدث معهم تحدث في معاشهم، ونشاطهم، ورقيهم، وحضارتهم، وربط ذلك بالخالق، الموجد، صاحب الفضل في ذلك كله، ومن أقواله لقومه ما حكاه الله عنه، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٦٧. ٢ سورة الشعراء الآيات: ١٣٢-١٣٤. ٣ سورة الأعراف آية: ٦٩. ٤ سورة هود آية: ٥٢.
[ ٨٩ ]
وهكذا استمر هود -﵇- يدعو، ويبرهن عن صدق دعوته
ونلاحظ أنه -﵇- جعل براهينه حياة الناس، والنعم التي يرفلون فيها، ووضح كافة الجوانب في معاشهم، حتى يعتبروا، لكنهم لم يؤمنوا، واستمروا على كفرهم.
د- لم يضعف، ولم ينهزم أمامهم، وظل يعمل واثقا بنصر الله له، وترجع شجاعته وهو يتحدى الجمع الغفير بقوة، رغم أنه فرد واحد، يرجع ذلك إلى ثقته في الله وتوكله عليه، وقد بين لهم سر قوته فيما حكاه الله عنه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، فهو سبحانه بيده الحكم، والأمر كله له، ومن يتوكل عليه فهو حسبه، وجدير بمن يتوكل على الله أن يتبدل خوفه أمنا، ويصير ضعفه قوة، ويشعر بعزة الله وجلاله، وعظمته وهو يواجه الأهوال والمصاعب.
هـ- خوف القوم هودا بآلهتهم، فقال لهم: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٢، وعرفهم بأنه لا يخاف كيدهم، وتآمرهم جميعا، فقال لهم: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ٣.
وواجه هود قومه مواجهة مباشرة، وناقشهم في أفكارهم، واستفاد بكل الوسائل التي أمكنه الاستفادة بها وهو يدعوهم إلى الله تعالى.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٥٦. ٢ سورة هود آية: ٥٤. ٣ سورة هود آية: ٥٥.
[ ٩٠ ]