تعلم يوسف من أبيه -﵇- الخلق الكريم، والأدب الفاضل، وقد تجلى ذلك في مراحل حياته جميعا.
ومن أخلاقه التي تميز بها ﵇ طهارته، وعفته، وقد رأيناه يوم أن راودته التي هو في بيتها، وهيأت نفسها له، وكررت ذلك معه، وبذلت كل ما أمكنها.
ورغم أنه شاب، له طاقته وقوته، لم يضعف أمام سيدة تميزت بالجمال والجاه، وإنما لازم الطهارة والعفة، وحاول أن يوقظ فيها العقل والخلق، وهو يقول لها ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، يبين لها ﵇ أسباب عدم استجابته لرغباتها، وهي في نفس الوقت أسباب لها يجب
[ ٢٢٤ ]
أن تمنعها عما سعت إليه.
فالسبب الأول: وهو الاستعاذة بالله، واللجوء إليه، تبعد المستعيذ عن الفاحشة؛ لأنه ﷾ حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
والسبب الثاني: وهو مراعاة حق الرب إن أراد به الله، فهو إلههما، وإن أراد به السيد فهو زوجها، ومراعاة حق الرب تقتضي أن يبتعدا معا عن المعصية.
والسبب الثالث: وهو الاعتراف بالفضل الذي يقتضي عدم الإساءة لصاحبه، وكلاهما قد أكرم الرب لهما في حياتهما، ومعاشهما.
والسبب الرابع: وهو أن حقائق الوجود البشري تؤكد أن المعتدي على حق غيره، يبوء بالإثم والخسران، وهي لهما معا.
وهكذا واجه يوسف دواعي الغواية التي فعلتها المرأة وهي: المراودة، وغلق الأبواب، والتهيؤ، بدواعيه إلى العفة وهي خوف الله، والمحافظة على عرض سيده الذي أكرمه، ومخافة الخسران والبوار.
وظل يوسف متمسكا بطهارته بعدما تجمعت النسوة، واشتركن مع زوجة العزيز في المراودة، وهددنه بالسجن، والهوان، والإذلال، وقال لهن متضرعا إلى ربه: قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ١.
إن اختلاط الرجل بالمرأة، والخلوة بالأجنبية من أكبر عوامل الإفساد، ونشر الفاحشة؛ ولذلك كان الإسلام قاطعا في تحريم هذا الاختلاط.
يروي البخاري بسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله -ﷺ- قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال ﷺ: "الحمو الموت" ٢.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٣٣. ٢ صحيح البخاري، كتاب النكاح ج٩ ص٣٣٠.
[ ٢٢٥ ]
والحمو قريب الزوج كأخيه، وابن عمه
وآثار اختلاط الرجال بالنساء في المدرسة، أو في البيوت، أو في العمل، أو في غيرها ضارة جدا، وينبغي الإقلاع عنه.
ومن أخلاقه العفو والتسامح، فلقد اعتبر ﵇ اعتراف النسوة بخطئهن أمام الناس كافيا في حقه عليهن، ويوم أن عرف إخوته ما وصل إليه أمره سامحهم، وقال لهم: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .
ومن أخلاقه بره بأبيه، وحرصه عليه، حيث نراه -﵇- يسارع بإرسال القميص إليه ليطمئن على أولاده، وأحضره على رأس أهله، واستقبله خارج المدينة، ورفعه على العرش، وأكرمه، وأكبره ﵇.
[ ٢٢٦ ]