هناك بعض القضايا التي وردت في قصة يوسف -﵇- أود أن أبينها بإيجاز:
الحقيقة الأولى: "العلاقات الأخوية"
الإخوة، وهم أبناء أب واحد، وينتسبون لعائلة واحدة، يمكن أن يدب الشقاق بينهم، وينتشر الحسد في قلوبهم، إلى الحد الذي يقتل فيه الأخ أخاه.
والقصة توضح أن ذلك الأمر يقع بين الناس لأسباب كثيرة، من أهمها:
١- البعد عن منهج الله تعالى؛ لأن البعد عن منهج الله يجعل الإنسان ماديا، أنانيا، يعمل لنفسه فقط، ولا يرضيه قضاء الله إن تفوق عليه غيره.
٢- إهمال القيم الأخلاقية التي تدعو إلى المودة، والحب، والتسامح، والعفو؛ لأن إهمال هذه القيم يؤدي إلى الكراهية والعدوان.
٣- انتشار الجهل؛ لأن الجهل يجعل صاحبه لا يعرف الحقيقة، وربما تصور العدل ظلما وهو لا يعرفه، ولعل لصاحبه عذرا، وهو يلومه.
٤- عدم غلق أبواب الشيطان للولوج إلى النفس؛ لأنه يوسوس بالعدوان، ويزين الضرر، وفتح الأبواب أمام الشيطان فرصة ينتهزها إبليس وجنوده.
٥- عدم تسوية الآباء بين أبنائهم، وقد رأينا كيف فعل الشيطان بقابيل، وبإخوة يوسف ﵇.
الحقيقة الثانية: "طلب الرئاسة"
نرى في قصة يوسف -﵇- أنه طلب الرئاسة، وزكى نفسه؛ لينال ما طلب، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ وهذا الواقع يؤدي إلى التساؤلات الآتية:
- كيف زكى يوسف نفسه؟
[ ٢٣٤ ]
والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ١.
- وكيف يطلب الرئاسة لنفسه، والنبي -ﷺ- يقول: "إنا لا نولي هذا الأمر من سأله، ولا من حرص عليه" ٢، ويقول لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة" ٣؟
- وكيف يطلب يوسف الإمارة من سلطان كافر؟!
- ولِمَ ترك يوسف الاستثناء حيث قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾؟ ولم يقل: إن شاء الله؟
- وهل يجوز لأي مسلم أن يطلب الإمارة لنفسه، كما فعل يوسف ﵇؟
وللوقوف على الرأي في هذه التساؤلات، علينا أن ندرك أن المجتمع البعيد عن الدين يعلو فيه الفاسق، ويختفي فيه المؤمن، وحينئذ فلا مانع من أن يبرز المؤمن صفاته ليستفاد به، وقد علم يوسف أن إصلاح شأن الناس واجب عليه، وإيصال الحق لذويه، ومن هنا طلب القيادة، وزكى نفسه، لإصلاح المجتمع، وتبليغ دعوة الله تعالى.
ولا مانع من طلب الرئاسة من سلطان كافر؛ لأنها لن تنال إلا من هذا الطريق وقد ترك يوسف الاستثناء في حديثه، حتى لا يتصور الملك عجز يوسف؛ لأنه لا يفهم معنى الاستثناء المقصود، ومن الممكن تصور أن يوسف -﵇- استثنى في نفسه.
وطلب الرئاسة في الجو الذي طلبها فيه يوسف ضرورة دينية؛ لأن الجماهير لا تتحول إلى الدين الحق، إلا إذا سلمت أمامها مؤسسات التوجيه، وتلاقت في طريق
_________________
(١) ١ سورة النجم آية: ٣٢. ٢ صحيح البخاري بشرح فتح الباري، باب ما يكره من الحرص على الإمارة ج١٣ ص١٢٥. ٣ تفسير الرازي ج٩ ص١٦٤.
[ ٢٣٥ ]
واحد، تبني ولا تهدم، تشيد الخير، وتقوض الفساد ولا تتناقض الآراء لرواد المجتمع الواحد وذلك لا يكون إلا بتولي يوسف الأمر كله، وقد تم له ما أراد، حيث ترك الملك له كل شيء، وتمكن يوسف من كل شيء.
وبهذا، لا لوم عليه في طلب الرئاسة، وتزكية النفس، وللمسلم أن يطلب رئاسة يقدر على الوفاء بها بطرق يرضى بها المجتمع الذي يعيش فيه، حتى إذا ما استجيب له يقوم بدوره مع الناس متآلفا، ودودا.
الحقيقة الثالثة: "تمني الموت"
في نهاية قصة يوسف -﵇- نقرأ قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ١.
فقد سأل ﵇ ربه حينما تمت النعمة عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وبما من الله عليه بالنبوة والملك دعا ربه أن يديم عليه نعمته في الآخرة، وأن يتوفاه مسلما، وأن يلحقه بالصالحين من إخوانه النبيين والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه.
والسؤال هنا:
هل يجوز ليوسف -﵇- أن يتمنى الموت وهو صحيح؟
وهل يجوز لأتباع محمد -ﷺ- هذا التمني؟
إن تمني الموت لا يجوز مطلقا، لا ليوسف، ولا لأي مسلم آخر.
ولذلك قال المفسرون: إن يوسف -﵇- طلب ذلك حين حضرته الوفاة، أو إنه طلب من ربه أن يتوفاه على الإسلام يوم يحين أجله، وذلك كما يقول الرجل وهو يدعو: اللهم أحيني مسلما، وأمتني مسلما.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ١٠١.
[ ٢٣٦ ]
وما ذهب إليه المفسرون أولى من قول بعضهم: إن ذلك كان جائزا في شريعة يوسف ﵇.
ومن المعلوم أن حياة الرسل للدعوة، فإذا ما تمت يقترب أجلهم، لقد شعر الصحابة بقرب أجل النبي -ﷺ- لما نزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١، ولما نزلت سورة النصر سُر الصحابة وبكى ابن عباس، ولما سئل قال: هذا أجل رسول الله ﷺ.
وفي شريعة الإسلام لا يجوز للمسلم أن يتمنى الموت؛ لأن الموت يقطع العمل، وأما الحياة فإنها فرصة المؤمن يزداد بها خيرا، في شكره النعم، أو صبره على البلاء.
وإذا تعرض المسلم لضر أو أذى، فإن الله -﷾- يجيز له الهجرة نصرة لدينه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ٢.
ومن هنا فقد نهى النبي -ﷺ- عن تمني الموت، حيث قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كان الموت خيرا لي" ٣.
أما إذا عمت الفتنة ولم يجد المرء لنفسه خلاصا منها، فإنه يجوز له أن يتمنى الموت؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب -﵁- في آخر خلافته، لما رأى أن الأمور لا تجتمع
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٣. ٢ سورة النساء آية: ٩٧. ٣ صحيح البخاري بشرح فتح الباري، باب الدعاء بالموت ج١١ ص١٥٠.
[ ٢٣٧ ]
له، ولا يزداد الأمر إلا شدة قال: "اللهم خذني إليك فقد سئمتهم، وسئموني"، وقال البخاري -﵀- لما وقعت له الفتنة، وجرى له مع أمير خراسان ما جرى، قال: "اللهم توفني إليك".
وفي الحديث الصحيح: "إن الرجل ليمر بالقبر -أي: في زمن الدجال- فيقول: يا ليتني مكانك"؛ لما يرى من الفتن، والبلايا، والأمور الهائلة١.
الحقيقة الرابعة: عدم تعجل النتيجة
أوحى الله إلى يوسف وهو في الجب بما سيئول إليه أمره، وطال به الزمن، ولما جاءه إخوته، لم يتعجل إظهار الحقيقة، وإنما تدرج في الظهور لأخيه، وإخوته، وأبيه، وذلك أمر حسن في شئون الحياة الدنيا.
أما في شئون الدين فهو أشد حسنا، وأعظم أثرا؛ لأن التربية الهادئة المركزة تبني المبادئ على أساس متين، وتجعل البناء صلبا يتحمل الأنواء، والأعاصير، والزلازل.
والدين يواجهه أعداؤه في كل عصر ومصر؛ ولذلك لزم أن يكون قوي البناء متين الدعائم
وأيضا، فإن تعجل النتيجة والأثر، لا يحقق النتيجة المأمولة، وكثيرا ما يؤدي إلى التصادم، والانفعال، والعصبية، وهذا أمر لا يفيد الدعوة إلى الله تعالى.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٢ ص٤٩٢.
[ ٢٣٨ ]