تقدم قصة يوسف منهجية عالية في الدعوة إلى الله تعالى، في أمرين رئيسيين:
الأمر الأول: التدرج في الوصول للغاية١.
المفاجأة تؤدي إلى الدهشة، والتغيير الكلي لا يتم دفعة واحدة؛ ولذلك يرى علماء التربية ضرورة التدرج في التعليم والتربية، مع تقديم السهل من قضايا الدعوة على
_________________
(١) ١ يختلف التدرج عن المجاراة؛ لأن المجاراة تسليم للخصم بما يعتقد، ثم تكون المناقشة بعد ذلك، أما التدرج فهو المناقشة ابتداء على أن تتم شيئا فشيئا، وتقديم القضية جزءا جزءا.
[ ٢٢٨ ]
غيره، والانتقال من البدهيات والمسلمات إلى ما يحتاج لدليل وبرهان.
والطبيب حين يعالج مريضه في تقديم الدواء تبعا لتقبُّل المريض، واستعداد بدنه.
وعلى الدعاة أن يسلكوا هذا المسلك؛ ليحققوا لدعوتهم نجاحا، وتمكنا في قلوب الناس.
وقد اتبع يوسف -﵇- هذا الأسلوب مع من التقى بهم، وقد اشتملت قصته على نماذج لهذا التدرج.
فهو ﵇ حين عرض عليه صاحباه ما رأيا، وطلبا منه تفسيرها لهما، أخذ يدخل إلى نفسيهما مدخلا لطيفا، رفيقا، متدرجا حيث بدأ بتأكيد الثقة في علمه، وأخذ ينبئهما بالطعام الذي سيأتيهما قبل إتيانه.
وبعدها بين لهما أن هذا العلم جاءه من ربه، الذي يعبده، ويؤمن به، وبالضرورة سيتساءل صاحباه: ما دينه؟ وما ربه؟
وهو على الفور يوضح لهما أنه ليس على دين الناس، إن دين الناس باطل، فهم يكفرون بالله، ولا يؤمنون باليوم الآخر أما دينه فهو دين إبراهيم وإسحاق -﵉- القائم على التوحيد الخالص، والتوجه بالعبادة لله وحده، كل ذلك على وجه الحكاية، وهم يسمعون
ثم ينتقل مرحلة أخرى في شكل استفهام حول دينه ودين الناس، يوجهه لصاحبيه، قال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
إنه يخاطب فيهما الأخوة والصحبة، ويسألهما سؤالا لا يحتاج لجواب؛ لأنه أجاب عنه في حديثه الذي سبقه مباشرة، وإنما يقصد بالسؤال أن يفكروا في عقيدتهم، ويعودوا إلى فطرتهم، ويتجاوبوا مع أصالتها.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٣٩.
[ ٢٢٩ ]
جاء في الظلال: "وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها، ويهزها هزا شديدا. إن الفطرة تعرف لها إلها واحدا، ففيم إذن تعدد الأرباب؟ إن الذي يستحق أن يكون ربا يعبد هو الله الواحد، ومتى توحد الإله فواجب أن يتوحد الرب وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد، ثم يدينوا لغيره، ويتخذوه ربا من دون الله"١.
وبعدها ينتقل يوسف خطوة أخرى، فيتجه إلى بيان بطلان دين الناس، من ناحية أن آلهتهم التي يعبدونها صنعوها بأيديهم، وسموها بآلهة بزعمهم، وليس لها من دليل وبرهان
وأخيرا يصل إلى مبتغاه، مناديا بدعوته قائلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
وهكذا تدرج يوسف -﵇- في دعوة صاحبيه، ووصل إلى عرض دعوته في نهاية المطاف، ثم فسر لهما ما رأيا.
ومرة أخرى
نرى يوسف -﵇- مع إخوته، لقد التقى بهم ثلاث مرات، في المرة الأولى تحدث معهم وعرفهم، واشترط عليهم إحضار أخيهم ليمتاروا بعد ذلك، وفي المرة الثانية حضر أخوه فعرفه بنفسه، وتحايل لإبقائه معه، وفي المرة الثالثة عرفهم بنفسه وأعطاهم قميصه، وبعد ذلك جاءوه بقومهم أجمعين.
إنه تدرج معهم منعا للمفاجأة، وإظهارا لحقيقة النفوس، وحتى يكون مجيئهم جميعا لمصر مقبولا، ومن الجائز ألا يتحقق له ما أراد لو أعلنه لهم أول مرة.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج١٢ ص٢٢٥، ٢٢٦ ط. دار العربية.
[ ٢٣٠ ]
وعلى الدعاة أن يستفيدوا بهذا الأمر المنهجي، وذلك بتحديد المرض الذي يريدون علاجه، واتباع خطة تدريجية في العلاج والتوجيه.
إن الخطبة الدينية يجب أن تتدرج في العرض والطلب، وتنتقل من فكرة إلى فكرة، في تدرج عقلي لتكون محل القبول والتأثير.
الأمر الثاني: القصة وسيلة للدعوة
القصة عمل فني متكامل، يقصد به التأثير في القارئ والمستمع، بعدما تجذبه إلى أحداثها، وشخوصها.
وتعد قصة يوسف -﵇- صورة متكاملة للقصة القرآنية، حيث نراها تضم ثروة من الحقائق والمعارف، وقدرا كبيرا من الإيحاءات والتوجيهات، وتنوعا في الأدلة والبراهين التي تثبت حقيقة الدين، وأحقيته في الاتباع.
إن مجرد تذكر يوسف -﵇- يجعل العقل يسبح في السورة من أولها إلى آخرها، وهو يتصور يوسف، طفلا، وسجينا، وواليا، وبين إخوته، وأهله، ومع النسوة، والملك.
إن القصة تجمع كافة العناصر بحيويتها، ونشاطها، فهي تصور المكان مع تنوعه، وتغيره، فهو الجب، والسجن، والقصر، والعرش.
وتصور الأشخاص بنفوسهم، وطبائعهم، فها هم إخوته بأوصافهم وصفاتهم، وها هو أبوهم وصلته بأبنائه، وها هي امرأة العزيز، وأصحابه في السجن، والعزيز.
وفي القصة العقد التي يتضح حلها بعد حوار، ونقاش، ولعل أشهرها رؤيا يوسف التي ظهر تعبيرها عمليا في نهاية القصة.
ولكن
ما سر التأثير بالقصة؟
إن القصة تشد خيال المتابع لها؛ ليتعقب أحداثها، ويتنقل معها من موقف لآخر، وهي تجعل المتابع لها يشارك بوجدانه أبطال القصة، راجيا لهم الخير، أو رافضا عملهم، ومسلكهم.
[ ٢٣١ ]
وهي تثير الانفعالات النفسية للمتابع لها، وتحرك عالم اللاشعور لديه، وتجعله يتخذ موقفا من الذي يراه ويسمعه.
إن اتخاذ الموقف من أحداث القصة هو بداية التأثر بها، والاستفادة بالتوجيهات المقصودة منها.
والإسلام يدرك الميل الفطري للإنسان نحو القصة، ولذلك أوردها في القرآن للفائدة والعبرة.
والقصص القرآني أنواع ثلاثة:
النوع الأول: القصص التاريخي، وتشمل القصة التاريخية، الواقعية المقصودة بأماكنها، وأشخاصها، وحوادثها وهي كل قصص الأنبياء التي وردت متضمنة كافة العناصر الفنية الواقعية.
النوع الثاني: قصة النموذج الواحد مثل قصة ولدي آدم؛ لأنها تعرض نموذجا، واقعيا، وحيدا، قابلا للتكرار في كل العصور.
النوع الثالث: القصة التمثيلية، وهي التي تركز على الحدث وتسكت عن الأشخاص، مع قابليتها للتطبيق، وذلك مثل قصة أصحاب الجنتين١.
وقصص القرآن الكريم بكل أنواعه يقصد التأثير، وتحقيق غاية مقصودة، ولذلك يعرض الواقع كما هو، ويبرز الإيجابيات والسلبيات، مع التعليق الموجز عليها ليأخذ المتابع هدنة، يتمكن خلالها من الحكم والمشاركة بعقله، لا بعواطفه فقط.
إن المسلم وهو يتابع قصة يوسف -﵇- وهي قصة تاريخية، يجد نفسه بالضرورة أمام رأي يتخذه مع كل حدث، وكل شخصية، ومع الرأي يكون الموقف، ويكون التأثر.
_________________
(١) ١ منهج التربية الإسلامية ج١ ص٢٣٧.
[ ٢٣٢ ]
والقرآن في قصصه يتخير من الأحداث ما يحقق غرضه؛ ولذلك نراه يسكت عن أحداث ومواقف، ويكتفي بغيرها، ومع ذلك تستمر جاذبيته ويبقى تأثيره، يقول الشيخ محمد عبده: "إن قصص القرآن الكريم لم يقصد سرد الوقائع مرتبة حسب أزمنتها، وإنما المراد بها الاعتبار والعظة، ببيان النعم متصلة بأسبابها، لتطلب بها، وبيان النقم بعللها لتتقى من وجهتها، ومتى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير، وأدعى إلى التأثير"١.
إن على الدعاة أن يستفيدوا بقصص القرآن الكريم من ناحيتين:
أولاهما: الاستشهاد بمقاطع من القصة في دعوتهم الناس، كمقطع العفة في حياة يوسف -﵇- لأن هذا الاستشهاد يعد دليلا عمليا، عاشه الناس في عالم الواقع؛ ولذلك فهو بعيد عن الخيال، والأحلام.
والثانية: الاستفادة بالقصة القرآنية كرمز يساعد على توضيح المراد، ومعالجة الواقع، من غير حساسية أو تجريح؛ لأن ربطها بالقرآن الكريم يعد إبرازا لمبدأ مقرر شرعا.
لقد ألف الفيلسوف "بيدبا" كتابه "كليلة ودمنة" على ألسنة الحيوانات والطيور؛ ليصلح به الناس بعيدا عن الإثارة والتصادم، وقد استطاع تحقيق هدفه بهدوء، ولم يغضب أحدا.
والقصة القرآنية حين تخرج من جو القرآن الكريم يكون لها من السحر، وقوة التأثير، وسرعة التصديق ما ليس لغيرها من كلام الناس.
إن القصة مليئة بالتوجيهات المعبرة، والدروس المفيدة، وعلى الدعاة أن يستفيدوا من منهجية القصة، ويسلكوا مسلكها في الدعوة والتوجيه.
_________________
(١) ١ تفسير المنار ج١ ص٣٢٧.
[ ٢٣٣ ]