"النقطة الأولى": "التعريف بالمجتمع الذي عاش فيه يوسف ﵇"
لما تزوج يعقوب -﵇- ببنتي خاله وجاريتيهما، رزقه الله عددا من الأبناء، ومنهم كان يوسف من زوجته "راحيل" التي وافتها المنية بعد ولادة يوسف بمدة وجيزة وتطورت الأحداث مع يوسف، فألقاه إخوته في الجب، إلى أن أخرجته إحدى القوافل التجارية من الجب، وباعته لعزيز مصر، وقضى حياته في مصر إلى أن لقي ربه.
وكانت مصر في هذا الوقت تحت حكم "الرعاة"١، الذين عاصروا إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب -﵈- وعلموا شيئا عن دينهم.
والرعاة هم الهكسوس، وكانت مدة حكمهم في مصر أكثر من قرن ونصف، ومن حديث القرآن عنهم خلال ذكره لقصة يوسف -﵇- نلمح بعض خصائص المجتمع المصري.
- فهو مجتمع غير موحِّد، لا يعرف الله على وجه الحقيقة؛ ولذلك لم يكن يوسف -﵇- على دينهم، وذلك مفهوم من قول يوسف -﵇- لأصحابه في السجن: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ كان الرعاة يسمون حاكمهم بـ "الملك" أو "العزيز"، وكان المصريون يسمونه بـ "فرعون". ٢ سورة يوسف آية: ٣٧، ٣٨.
[ ١٨٨ ]
- وهو مجتمع يعرف شيئا عن دين الله الذي نقل إليهم من جيرانهم، وبخاصة أن الحكام لم يكونوا من الفراعنة، مدعي الألوهية؛ ولذلك تركوا الديانة المصرية القديمة، وبحثوا عن دين آخر، فأخذوا من جيرانهم بعض ما عندهم، وهو قدر لا يكفي في دين الله تعالى.
ندرك هذه اللمحات الدينية من قوله تعالى حكاية عن النسوة: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ١ فهن يعرفن الله، ويعرفن الملائكة.
ومن حكاية قول العزيز لامرأته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ٢، فهو يعرف الاستغفار والتوبة.
ومن حكاية قول امرأة العزيز: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ ٣، فهي تعرف أن الهادي هو الله، وأن كيد الخائن إلى بوار، بأمر الله تعالى.
وقد ساعدت هذه اللمحات يوسف -﵇- في نشر دعوة الله، حينما ولي الأمر في مصر بعد ذلك، ومكن لقومه بني إسرائيل.
- تميز المجتمع المصري بنظام سياسي متقدم، ففي الوقت الذي عاش جيرانهم في بداوة نجدهم يعرفون نظام الملك، وولاية العهد، والوزارات، والدواوين العديدة، وقد تولى يوسف -﵇- بعد خروجه من السجن ولاية الأموال والأقوات يوزِّعها على المصريين، وعلى أهل البقاع المجاورة، وقد رأينا إخوة يوسف يأتون إلى مصر من أرض كنعان للحصول على القوت.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٣١. ٢ سورة يوسف آية: ٢٩. ٣ سورة يوسف آية: ٥٢.
[ ١٨٩ ]
- تميز المجتمع المصري بالسبق العلمي، وبخاصة في مجال العلم بتعبير الرؤى، ولأمر أراده الله تعالى نجد في سورة يوسف عددا من الرؤى وتعبيراتها؛ نجد رؤيا يوسف، ورؤيا أصحابه في السجن، ورؤيا الملك، وقد تحققت دلالاتها، واستفيد عمليا بما دلت عليه.
ومن دلالة السبق العلمي ما يُستفاد من الآيات الآتية التي اشتملت عليها سورة يوسف: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ ١، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٢. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي﴾ ٣، ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ٤، ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ٥، ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ ٦.
- تميز المجتمع المصري بمدنية راقية، حيث كان للنسوة اجتماعاتهن، وآراؤهن وكان لهن سلوك مدني متقدم في الطعام والشراب، كما هو مفهوم من لقاء النسوة بامرأة العزيز، وإعداد المائدة العامرة، وتقديم السكاكين ليأكلن بها، وعاش يوسف في هذا العصر، واستفاد بإيجابياته، ونجاه الله تعالى من سلبياته فتربى في بيت الملك، وتعلم، وعرف، فلما بدأت سلبيات الترف تظهر أمامه، قضى الله عليه بدخول السجن، فبقي فيه يدعو الناس لعبادة الله وحده، ولم يخرج من السجن إلا بعد إعلان براءته.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٢١. ٢ سورة يوسف آية: ٢٢. ٣ سورة يوسف آية: ٣٧. ٤ سورة يوسف آية: ٥٥. ٥ سورة يوسف آية: ٦٨. ٦ سورة يوسف آية: ١٠١.
[ ١٩٠ ]
ويبدو أن الملك لما أدخل يوسف السجن كان يتابع أخباره إعجابا به وبأخلاقه، وبالضرورة سمع عن دعوته حيث أعجب بها، بلا إعلان حتى لا يغضب كهنة الأصنام، وعبدة الأوثان وغيرهم؛ ولذلك كان شديد الترحيب بيوسف حين جاءه من السجن وقال له: ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ .
وهكذا مكن الله ليوسف، فتولى أمر خزائن الأرض، وصار حاكما في مصر، ولعل هذا الوضع ساعده على نشر دعوة التوحيد بين الناس.
ولما جاء بنو إسرائيل إلى مصر تعاونوا مع الهكسوس، ولم يندمجوا في المجتمع المصري، وكانوا للرعاة عونا على المصريين؛ ولذلك لما استردّ الفراعنة زمام الأمور مرة أخرى في الأسرة الثامنة عشرة أخذوا في مقاومة الإسرائيليين، وديانتهم، وتمكنوا من طردهم من مصر في زمن موسى -﵇١، ذلكم هو المجتمع الذي عاش فيه يوسف -﵇- حتى لقي ربه.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ١٢ ص١٨١-١٨٣ بتصرف، ويرى صاحب الظلال أن مقاومة المصريين للإسرائيليين لم تكن دينية، وإنما كانت سياسية، ونفسية غالبا.
[ ١٩١ ]