أيوب بن موص بن زراح بن إسحاق١، من ذرية إبراهيم -﵇- يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ ٢، والضمير في ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ يعود إلى إبراهيم -﵇- وأيوب نبي أوحى الله إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾ ٣.
وقد تزوج أيوب ابنة عمه، قيل: اسمها: رحمة بنت يوسف بن يعقوب٤، وكان مبعثه -﵇- بـ "حران"٥.
وقد مدحه الله تعالى، وأبرز صفاته الخيرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٦.
فلقد التزم ﵇ مقام العبودية، وأسلم أمره لله تعالى، وابتلي فصبر، وكان كثير التسبيح لله رغم ما كان فيه من بلاء.
لم يتحدث القرآن الكريم عن دعوة أيوب -﵇- واكتفى بالحديث عن خصائصه، وصفاته، وما ابتلي به.
يقول الحافظ ابن حجر: "وكان له البثنية٧، سهلها، وجبالها، وله فيها أهل ومال وولد، فسلب ذلك منه شيئا فشيئا، وهو يصبر ويحتسب، ثم ابتلي في
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج١ ص٢٢٠. ٢ سورة الأنعام آية: ٨٤. ٣ سورة النساء آية: ١٦٣. ٤ البداية والنهاية ج١ ص٢٢١. ٥ فتح الباري ج٦ ص٤٢١. ٦ سورة ص آية: ٤٤. ٧ بفتح الباء والثاء وكسر النون: اسم ناحية من نواحي الشام، بين دمشق وأذرعات. "معجم البلدان ج١ ص٣٣٨".
[ ٢٤٠ ]
في جسده بأنواع من البلاء، فرفضه الناس إلا امرأته"١.
وقد استمر أيوب -﵇- في دعوة الناس إلى الله تعالى سبعين عاما، وكان فيها عظيم التقوى، رحيما بالمساكين، يكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف، وينصح بالحق في رفق ولين، ومن رفقه بقومه، وشدة تقواه أنه كان يمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله، فيرجع إلى بيته يكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، ومخافة أن يكبهما الله في النار٢.
وذات يوم قال أخ له لآخر: لو كان الله يعلم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا البلاء، وسمعهما أيوب، فجزع من ذلك جزعا لم يجزع مثله قط، فقال لله: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعانا وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني، فصدق من السماء، وهما يسمعان اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عارٍ فصدقني، فصدق من السماء، وهما يسمعان٣.
وهذه كلها شواهد حق على حسن خلقه، وصدقه في دعوة الناس التي استمرت سبعين عاما.
وبعد ذلك نزل به البلاء، ففقد ماله، وأهله، وولده، ولم يبق معه إلا زوجته، وأصيب بعد ذلك في بدنه حتى لم يبق في جسده عضو سليم.
وقد عاش أيوب -﵇- في البلاء مدة طويلة، اختلف العلماء في تحديدها، وأقلها في أقوالهم ثلاث سنين، وأكثرها ثماني عشرة سنة وقد قابل أيوب هذا البلاء بالصبر، والاستسلام لله، عبودية وخضوعا، قالت له زوجته: يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال لها: لقد عشت سبعين سنة صحيحا، فهل قليل لله أن أصبر على البلاء سبعين سنة٤؟
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٦ ص٤٢١. ٢ تفسير ابن كثير ج٤ ص٣٩. ٣ البداية والنهاية ج١ ص٢٢٣. ٤ تفسير ابن كثير ج٣ ص١٨٨.
[ ٢٤١ ]
وكما اختلف العلماء في تحديد مدة البلاء، اختلفوا في صوره وأنواعه، وبخاصة ما كان في بدنه، ويذهبون في ذلك إلى آراء كثيرة، أوصلها الإمام القرطبي إلى خمس عشرة صورة.
والذي أراه -والله أعلم- أن الله ابتلى أيوب -﵇- فصبر حتى صار يضرب بصبره المثل، وكان مما ابتلى به المرض، وأراه مرضا لا ينفر الناس منه، ولا يلحق به نقصا في شخصه، فهو ﵇ رسول، مكلف بدعوة الناس، ولو كان به نقص ذاتي، أو مرض منفر، لاعتذر الناس به عند الله، وكان لهم عذرهم في أن الذي نفرهم هو المرض.
ولذلك فهو مرض لا ينفر، كالروماتيزم، وآلام العظام، والضعف العام، وهكذا والابتلاء متحقق بهذه الأمراض التي لا تنفر، كما يتحقق بغيرها، والضر به لشدته، ولمدته الطويلة، وحينما قال الله له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ ضربها، ولم يكن عاجزا.
وأي فائدة تترتب على إلقائه في مزبلة، أو امتلاء جسده بالدود، أو تقيح جسده، أو عبث الدواب به؟ لا فائدة في كل هذا؟ والأنبياء والرسل كرام عند الله تعالى.
ولذلك كان أيوب في أثناء بلائه يصدق من الله تعالى، ويكرم أمام الناس، يمدح الله تعالى أيوب -﵇- بصبره على البلاء، وصدقه في العبودية، واستمراريته على الذكر والتسليم، فيقول تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ .
انصرف الناس جميعا عن أيوب -﵇- ولم يبق معه إلا زوجته، فقد استمرت معه تخدمه وتساعده، وتعمل لدى الناس لتنفق عليه من أجرها -﵂- واستمرت على ذلك، حتى انصرف الناس عنها؛ خوفا من انتقال مرض زوجها إليهم، فعمدت إلى إحدى ضفيرتيها، وباعتها لإحدى بنات الأشراف، بطعام طيب وفير
[ ٢٤٢ ]
ثم باعت الضفيرة الثانية وأنفقت ثمنها على أيوب، وأطعمته.
وأين إبليس في بلاء أيوب؟ وما دوره في الإضلال؟
لم يغب إبليس وإنما قام بدوره مع زوجته، حيث جاءها في صورة طبيب يصف لها دواء أيوب، فلما أتت زوجها تعرض عليه إحضار طبيب يشفيه، تألم منها لنسبتها الشفاء لغير الله، وضجرها من قدر الله، وأقسم ليضربنها.
وانطلق إبليس إلى رجلين صديقين لـ "أيوب" وقال لهما: احملا لـ "أيوب" خمرا، فإن شرب منه برئ، فلما أتياه، وعرضا عليه الخمر، قال لها: جاءكما الخبيث، كلامكما وشرابكما وطعامكما علي حرام، فقاموا من عنده.
وأتى إبليس إلى أيوب، ووسوس له، وأخبره بأن زوجته بغت بمال أنفقته عليه، فتألم وأقسم ليضربنها مائة سوط، فلما جاءته سألها عن مصدر المال الذي تأتي به، فكشفت له عن رأسها، وأخبرته بأنها باعت ضفيرتيها؛ لتنفق ثمنهما، وتطعمه.
يذكر المفسرون صورا عديدة لمحاولات إبليس مع أيوب، منها أن الله كلم إبليس، وأنه مكن له في السماء السابعة.
يورد القرطبي بعضا منها ثم يعقب برأي ابن العربي، وفيه أن ذلك كلام لا يصح؛ لأن الله أهبط إبليس من الجنة بلعنته، وسخطه، مطرودا من السماء إلى الأرض، ومحال أن يرقى بعد ذلك إلى مقام الأنبياء، وأما قولهم: إن الله كلمه، فمحال أن يكلم الله إبليس أو جنوده، وأما قولهم: إن الله سلطه على أيوب، وماله، وولده، فهو أمر متروك لإبليس وذريته مع الخلق جميعا، ولا حاجة لتوجيه خاص بأيوب، وأما قولهم: إن إبليس قال لزوجة أيوب: أنا إله الأرض فلو تركت ذكر الله، وسجدت لي لعافيت زوجك، فلا يصح؛ لأن هذا كلام لا يقبله مؤمن عادي، فكيف تسمعه
زوجة نبي مؤمنة؟! ١.
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي ج١٥ ص٢٠٩ بتصرف.
[ ٢٤٣ ]
تألم أيوب -﵇- لحال زوجته حينما رأى رأسها، ورق لها، فسأل الله أن يكشف عنه الضر، والأذى؛ رحمة بزوجته.
ولما تم الأجل الذي قدره الله تعالى واتجه أيوب إلى ربه، وسأله كشف الضر، وقال ما حكاه الله عنه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين﴾ ١، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ٢.
والمراد بالنصب: الضر الذي أصابه في بدنه، والمراد بالعذاب: الضر الذي أصابه في ماله وولده٣.
وقيل: النصب: الشر والبلاء ماديا أو معنويا كالوسوسة والشك، أما العذاب: فهو البلاء والشر المادي فقط٤.
ونلمح أدبه -﵇- مع ربه وهو يدعوه، إذ نراه ينسب الضر إلى الشيطان، ويسأله أن يرفعه عنه
واستجاب الله لـ "أيوب" -﵇- وانفرجت الغمة، وذهب البلاء، وقال الله لأيوب: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ٥.
أمره ﷾ بأن يضرب الأرض برجله، فضربها ﵇ ضربة فنبعت عين، فأمره الله أن يغتسل منها، فاغتسل فذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فنبعت منه عين أخرى، وأمره أن يشرب منها، فلما شرب ذهب جميع ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا٦ بعدما اغتسل من عين، وشرب من الأخرى.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية: ٨٣. ٢ سورة ص آية: ٤١. ٣ تفسير ابن كثير ج٤ ص٣٩. ٤ انظر تفسير القرطبي ج١٥ ص٢٠٠٧. ٥ سورة ص آية: ٤٢. ٦ تفسير ابن كثير ج٤ ص٣٩.
[ ٢٤٤ ]
وكافأه الله أيضا على صبره الجميل، بأن أعاد له أهله ومثلهم معه، يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ١.
وللعلماء في إعادة أهله له، أقوال متعددة:
الأول: أن الله أحياهم بأعيانهم، وآتاه مثلهم في الدنيا، وينسب هذا القول إلى ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ﵃.
الثاني: أن الله تعالى خيّره بين إحضارهم بذواتهم، أو تركهم في الجنة على أن يؤتى له بأمثالهم، فاختار بقاءهم في الجنة، وإحضار أمثالهم له في الدنيا.
الثالث: أوتي أجرهم في الآخرة، وأعطي أمثالهم في الدنيا٢.
ومع الآراء الثلاثة، فقد أوتي بأمثالهم، وضاعف الله في نعمه ومن عجيب قدر الله أن زوجته لما جاءته بعد أن اغتسل، وألبسه الله حلة من الجنة لم تعرفه، فقالت له: يا عبد الله، أين ذهب هذا المبتلى الذي كان ههنا؟ فوالله القدير ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا، فقال لها: فإني أنا هو، وأعاد الله لزوجته شبابها، وأنجبت له عددا من الأولاد.
وبالنسبة لقسمه الذي حلف فيه: ليضربنها، فقد علمه الله حيلة يبر بها قسمه، من غير إيذائها، رحمة به وبها، قال الله تعالى له: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ ٣.
فأخذ بيده حزمة من الحشيش الأخضر اللين، بها مائة عود صغير، وضربها به مرة واحدة خفيفة، وبذلك بر قسمه، ولم يؤذ زوجته.
_________________
(١) ١ سورة ص آية: ٤٣. ٢ تفسير ابن كثير ج٣ ص١٨٩، ١٩٠، وقد رجح الرازي في تفسيره الرأي الأول ج١٣ ص٢١٥. ٣ سورة ص آية: ٤٤.
[ ٢٤٥ ]
وهكذا انتهت محنة أيوب، بعودة ما كان فيه من خير، وضاعف الله له العطاء، تكريما له.
يروي الحاكم أن أيوب -﵇- كان له أندران، أحدهما للقمح، والثاني للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الفضة حتى فاض.
يروي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه: "بينما أيوب يغتسل عريانا، خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك" ١.
فنزل عليه الذهب في شكل جماعات الجراد، فأخذ يجمعها، ويلتقطها في ثوبه فلما سأله الله عن عطائه إياه أقر له ﵇ بأنه أغناه، لكنه مع ذلك لا يستغني عن الزيادة رحمة من الله وبركة.
وهكذا عاش أيوب في النعم الوافرة، وخيرات الله الكثيرة، حتى لقي ربه عن عمر يزيد على تسعين عاما، ﷺ.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري ج٦ ص٤٢٠، باب ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ .
[ ٢٤٦ ]