قوم صالح -﵇- هم قبيلة "ثمود" وهي قبيلة عربية، تشبه قبيلة "عاد" في نواحٍ عديدة، فهي من العرب العاربة، سكنت شمال جزيرة العرب في منطقة تعرف بـ "الحجر" الواقعة بين الحجاز والشام، واشتُهرت بحضارتها الزاهية، في جوانب الحياة المختلفة.
فلهم حضارتهم الزراعية؛ حيث الجنات، والعيون، والزروع المختلفة والنخيل بثمره الوافر، وفوائده الكثيرة.
وكانت لهم حضارتهم العمرانية، فقد أسسوا الأبنية الفارهة، حيث كانوا يسكنون في الصيف بيوتا أقاموها في أعالي الجبال، وفي الشتاء يسكنون في بيوت نحتوها في باطن الجبال.
إن البيوت المنسقة المنحوتة تحتاج إلى رقي علمي، وتقدم صناعي تمكنت منه قبيلة ثمود.
وكانوا يتمتعون بطاقة عقلية متقدمة، يقول الله عنها: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ١ أي: يتمكنون من البصر، والنظر، والتدبر، إلا أن الشيطان زين لهم أعمالهم وألهاهم بالشهوات، وصدّهم عن الحق، فكفروا بأنعم الله، وعبدوا الأصنام من دون الله تعالى.
وكان الأولى بهم أن يستفيدوا بقدراتهم العقلية، لكنهم وجهوها في الجدل العقيم، ومحاولة الرد على دعوة صالح -﵇- بالمزاعم الباطلة، والشبهات الزائفة.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٣٨.
[ ٩٤ ]
ويبدو أن قبيلة ثمود تقدمت في مدنيتها عن عاد؛ لأنهم اتخذوا مجلسا مكونا من تسعة أشخاص، يقودهم سياسيا وينميهم، ويتقدم بهم للأمام، لكن هذا المجلس أفسد بدل أن يصلح، وأضل بدل أن يهدي، يقول الله تعالى عن ذلك: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ ١.
وقد اتخذ فساد قبيلة ثمود صورا شتى
فهم في الجانب الديني اتخذوا الأصنام آلهة، وعبدوها، وتعلقوا بها حبا، وإخلاصا، وقدموها على هداية الله، يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢.
ومن الناحية الأخلاقية أسرفوا في البذخ، والفساد، وبنوا بيوتا فارهين، وأطاعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وتخلق الملأ منهم بالكبر والغرور حتى دفعهم كبرهم إلى الكفر بالدعوة الإلهية، والسخرية من صالح وأتباعه الضعفاء؛ ولذلك استمروا على الكفر حتى أهلكهم الله بالطاغية.
_________________
(١) ١ سورة النمل آية: ٤٨. ٢ سورة فصلت آية: ١٧.
[ ٩٥ ]