اختار الله شعيبا -﵇- للرسالة، وكلفه بدعوة قومه، فأخذ في تنفيذ أمر الله له، ونادى في قومه بما كلف به.
وبالنظر في حركة شعيب -﵇- وهو يدعو قومه، نراه يسلك منهجا حكيما في توجهه للناس.
فهو -أولا- يعرض قضيته الأساسية، ويدعو قومه إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده، قائلا لهم ما حكاه الله عنه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٣٦.
[ ١٦٢ ]
وقال لأصحاب الأيكة ما قاله لمدين، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ١.
نراه ﵇ يقرن بدعوة التوحيد الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر، من باب ترغيب الناس فيما ينتظرهم، ويذكرهم بالحساب ليستقيم سلوكهم.
ثم أخذ -ثانيا- يقدم الأدلة المؤيدة للدعوة، الشاهدة على أحقية الله بالعبادة وحده، قال لهم ما حكاه الله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ ٢.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٣.
يبين لهم ﵇ أن الله -﷾- خلقهم، وخلق الأجيال السابقة جميعا، وقد بارك لهم في كل ما خلق، وزاده كثرة وبركة، وها هي آيات الله تبين لهم صدق دعوته لهم ﵇، وعليهم أن يتدبروا في عاقبة الأمم التي سبقتهم ليعتبروا، وحتى لا يحل بهم ما حل بالأمم السابقة.
ثم ينتقل ﵇ثالثا- إلى توجيههم نحو إصلاح معاملاتهم وأخلاقهم بعد فسادها وضلالها؛ ذلك لأن دين الله تعالى لا يفرق بين طهارة القلب، وطهارة السلوك، فلا بد لعباد الله المخلصين أن يطهروا قلوبهم بعقيدة التوحيد، وينظفوا جوارحهم وأخلاقهم بمنهج الله الواحد، وبذلك يستند الوجود كله إلى أصل ثابت هو الإيمان بالله تعالى، والصدق في عبادته، والتوجه إليه.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء آيات: ١٧٧-١٧٩. ٢ سورة الشعراء آية: ١٨٤. ٣ سورة الأعراف آية: ٨٦.
[ ١٦٣ ]
دعاهم ﵇ إلى إصلاح المعاملة والأخلاق، فقال لهم ما حكاه الله عنه:
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ١.
وقد بين لهم ﵇ ما في سلوكهم من عدوان؛ لخلوّ معاملاتهم من العدل، ولإنقاصهم حقوق الناس، ولنشرهم الفساد في الأرض، وصدهم الناس عن الإيمان، وقطع الطريق على المارَّة، وأمرهم أن يغيروا هذا المسلك السيئ، ويوفوا الناس حقوقهم، كيلا، ووزنا، وعدا، ولا يعتدوا على حقوق الآخرين، ويتركوا الفساد في الأرض، وليس من حقهم ولا يليق بهم أن يجلسوا في الطرقات؛ ليقطعوا سبيل المارة ويبعدوهم عن الحق، واتباع شعيب -﵇- وقال لهم: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢.
وقد نبههم ﵇ أنهم في غنى عن فعل هذه المظالم، وأنهم لا يحتاجون مالا يأخذونه ظلما من الناس بلا حق، فقال لهم: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ٣، فهم أغنياء، وما أعطاهم الله يكفيهم وزيادة، وليس لهم حاجة
_________________
(١) ١ سورة هود الآيات: ٨٤-٨٦. ٢ سورة الأعراف آية: ٨٦. ٣ سورة هود آية: ٨٤.
[ ١٦٤ ]
في أموال الناس؛ لأنهم لو آمنوا لسلكوا هذا المسلك الطيب من تلقاء أنفسهم، فما يعطيه الله كافٍ، وهو الخير كله.
لكن القوم لم يسمعوا ولم يؤمنوا، واستمروا في جهالتهم وضلالهم، وقاموا بالرد على شعيب ومواجهته بعدة صور:
فمرة يستميلونه بالمدح، قائلين له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ١، ظنا منهم أنه باحث عن مجد شخصي، وراغب في السلطان والتعظيم، لكنه -﵇- ليس من هذا الطراز، فهو رسول الله؛ ولذلك لم يتأثر بمديحهم.
وأخرى يتهمونه بالكذب في دعوى أنه رسول، وفي قوله: إن الله إله واحد، قائلين، ما حكاه الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢، فكذبوه في رسالته؛ لتصورهم أن الرسالة لا تكون لبشر؛ ولذلك عدوه واحدا من الكاذبين الذين يدعون الرسالة بين الحين والحين، فوضعوا أنفسهم في موطن الحكم على رسالة الرسول بلا بينة أو برهان، وذلك من ضلالهم، وعدوانهم.
ومرة يتهمونه بأنه مسحور، قائلين له: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ ٣، ولم يبينوا له من سحره؟ ولم يذكروا دلالة السحر في دعوته لهم، وهل المسحور يعرض قضية تتصل بالعقيدة والشريعة والأخلاق بهذه الصورة التي عرضها لهم؟
إن كل الدلائل تشير إلى كذب القوم، وضلالهم في هذه الدعوة.
ومرة يتصورونه جاهلا يمنعهم من حرية التصرف، فيقولون متهكمين كما قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٤، فهم بقولهم هذا يهزءون
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٨٧.
[ ١٦٥ ]
بالصلاة وكأنها هي التي أضلت شعيبا، فجعلته ينادي بمخالفة الآباء، ويمنع حرية التصرف الاقتصادي، ويهزءون بشعيب؛ لأنه يأخذ دينه وصلاته من خياله لا من ربه، ويزعمون أن دعوته ليست نابعة عن اقتناع منه لتميزه بالرشد والحلم، والحليم الرشيد لا يقول مثل قوله وهذا من ضلال القوم وجهلهم؛ لأن من مقتضيات العقيدة الصحيحة اتباع المنهج الإلهي الصحيح في الشريعة، والأخلاق، أما الزعم بانفصال العقيدة عن أمور الحياة، ونظام الوجود، وألوان الأخلاق فهو باطل في دين الله تعالى.
وبعد كل هذه الاتهامات الضالة، انتقل القوم إلى التهديد، فلقد حكى الله عنهم ما قالوه له، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ ٢.
فهو ﵇ في نظرهم ضعيف، أتباعه قليلون، ولولا عصبته وقرابته لرجموه، وها هم يعلنون له عزمهم على طرده من البلاد، وإبعاده عن إفساد العباد، هو ومن معه، إن لم ينته ويترك دعوته ويعد إلى ملتهم مكرها، لكنه -﵇- وضح لهم أنه لن يعود أبدا إلى ملتهم وضلالهم، بعد أن أنقذه الله تعالى، وآتاه رحمة من عنده، ورزقه رزقا طيبا، كما وضح لهم أنه يدعوهم إلى الحق الذي يؤمن به، ويثق فيه، ولا يصح لأصحاب الحق أن يخالفوا ما يدعون إليه؛ لأن مخالفة الحق كذب وافتراء على الله، لا يرتكبه الرسل والدعاة أبدا؛ ولذلك قال لهم ﵇
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٩١. ٢ سورة الأعراف آية: ١٨٨.
[ ١٦٦ ]
ما حكاه الله تعالى: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ ١.
يئس القوم من شعيب بعد تهديده؛ ولذلك لجئوا إلى قومه لإبعادهم عن شعيب، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ٢.
قابلهم شعيب بأخلاق النبوة والدعوة، وبين لهم عدة أمور:
١- فهو ﵇ رسول الله إليهم، يدعوهم إلى الحق، وينصحهم بكل ما يحقق لهم الخير، بلا أجر يأخذه منهم، فليس له حاجة ليكذب عليهم، وعلى الله، قال لهم: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٤.
٢- وبين لهم أن الله عليم بأحوالهم وأقوالهم، وسيحاسبهم على انحرافهم هذا، قال لهم: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ٥، ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٦.
٣- ونصحهم حتى لا تكون عداوتهم له سببا في عدم الإيمان، وترك التفكير، وإهمال النظر، وعليهم أن يفكروا في الدعوة من كل نواحيها؛ في حقيقتها، وفائدتها، ومصير من يخالفها، معتبرين في ذلك بالأمم التي سبقتهم، قال تعالى
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٨٩. ٢ سورة الأعراف آية: ٩٠. ٣ سورة الشعراء آية: ١٨٠. ٤ سورة الشعراء آية: ١٧٨. ٥ سورة هود آية: ٩٢. ٦ سورة الأعراف آية: ٨٦.
[ ١٦٧ ]
﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ ١، لكنهم لم يتأثروا بهذا التخويف، ولم يعتبروا بمصارع السابقين المعروفين لهم.
٤- عاتبهم في استخفافهم بحق خالقهم، وخوَّفهم من عبادة غير الله تعالى، قال لهم ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ٢.
٥- أكد لهم ﵇ تمسكه بالعبودية الخالصة لله، والإقرار المطلق بحقه ﷾؛ ولذلك فهو مستمر في دعوته، غير آبه بمعارضتهم، واثق بنصر الله وعونه، يسير بأمر الله ما دام في الحياة، قال لهم ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٣.
وأخيرا كانت المفاصلة الواضحة، حيث ظهر المؤمنون بإيمانهم، وتمسك المعارضون بكفرهم، وانقسم القوم إلى فريقين؛ قال فريق: الكفر لشعيب، ما حكاه الله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤.
ورد عليهم شعيب -﵇- بقوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٨٩. ٣ سورة هود آية: ٩٢. ٣ سورة هود آية: ٨٨. ٤ سورة الشعراء آية: ١٨٧.
[ ١٦٨ ]
عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ ١، قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ٢.
لقد أعلن لهم أنه نصحهم بصدق وأمانة، لكنهم قابلوا الدعوة بالجحود، والكفر.. وعليهم أن يترقبوا مصيرهم حين ينزل بهم العذاب، ولن يتألم أو يتأسف على هلاكهم؛ لأن ما سينزل بهم هو قضاء الله العادل في الكافرين.
وكانت النهاية مفجعة
نجى الله شعيبا والذين آمنوا معه، يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ ٣.
أما الضالون المكذبون، فقد نزل بهم العذاب في صور عديدة فأهلكهم جميعا، يقول تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٩٣. ٢ سورة الأعراف آية: ٩٣. ٣ سورة هود آية: ٩٤. ٤ سورة الأعراف آية: ٩١. ٥ سورة هود آية: ٩٤. ٦ سورة الشعراء آية: ١٨٩.
[ ١٦٩ ]
إنه عذاب واحد، وإن اختلفت مسمياته، ذلك أنه أصابهم حر شديد، وانقطع عنهم الهواء سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء، ولا ظل، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستفيدوا بظلها، فلما اجتمعوا جميعا تحتها، جاءتهم من السماء صيحة عالية، ارتجّت لها الأرض رجا عنيفا، فأزهقت الأرواح، وخربت الأشباح، وماتوا جميعا وهم جاثمون على ركبهم، وبذلك اجتمع في مماتهم جنود الله تعالى، التي سلطها عليهم، وهي: الظلة، والصيحة، والرجفة، وهكذا تعددت أسباب موتهم كما تعددت مفاسدهم وضلالاتهم، والله على كل شيء قدير.
[ ١٧٠ ]