لما بلغ لوط -﵇- الأربعين، أرسله الله تعالى إلى قومه في "سدوم" ليصلح دينهم وحياتهم، فبدأ -﵇- يبين لهم ما يدعوهم إليه، وهو توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له، ووضح لهم أنه أخ لهم أمين، مخلص في دعوتهم، يعمل على تحقيق الخير والسعادة لهم بلا أجر أو مقابل؛ لأنه سينال أجره من الله الذي أرسله، قال لهم ما حكاه القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
وهكذا دعاهم في هدوء ورفق، وبين لهم بصدق وأمانة، ولكنهم كذبوه وهددوه بالطرد، واتهموه بالعدوان على سلوكهم، وطلبوا منه أن يبتعد عن الناس، ومن أقوالهم له: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ ٢، ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ٤.
كذبوا دعوته، وهددوه بالطرد، وأمروه بالبعد عن الناس، وجعلوا التطهر تهمة يستحق فاعلها الطرد والإخراج من القرية، والنفي من البلاد.
واستمر لوط -﵇- في دعوة قومه، وأخذ في توضيح ضلالهم، وفساد ما هم عليه، وبين لهم أن انهماكهم في الفاحشة هو الذي أفسد عقولهم، وأضلهم عن الصواب.
وأخذ في دعوته طريقة الاستفهام ليوقظ مشاعرهم، وينبه عقولهم إلى ما عساه قد غاب عنهم، قال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآيات: ١٦١-١٦٤. ٢ سورة الشعراء آية: ١٦٧. ٣ سورة الحجر آية: ٧٠. ٤ سورة النمل آية: ٥٦. ٥ سورة الشعراء آية: ١٦٥.
[ ١٥٠ ]
وهو سؤال بسيط، لكنه يبين بعدهم عن الفطرة السليمة، وشذوذهم المخالف لأسباب الوجود، فقد أوجد الله الحياة على أساس تزاوج الذكر والأنثى، وسار على ذلك أمر الناس إلى يومهم هذا، فما بالهم يشذون، ويأتي الذكر مثيله؟!!
وبين لهم ﵇ أن فعلهم عدوان وظلم، حيث قال: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ١.
وعرفهم أن ذلك إسراف وجهل، ومضاد للفطرة، وكله فحش وضياع، قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ٢، قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٣.
ووضح لهم أن التمادي في هذه الفاحشة قطع للنسل، وعدوان على الرجال، وقتل للحياء وسوف يتحملون وزره، ووزر من يأتي به إلى يوم القيامة؛ لأنهم المخترعون له، ولم يسبقهم أحد إلى فعله، قال لهم ﵇: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤، بين لهم، ونصحهم، وخوفهم من عذاب الله في الدنيا، وفي الآخرة
لكن القوم أعموا أبصارهم، وبصائرهم، واستهزءوا به، وردوا عليه: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء آية: ١٦٦. ٢ سورة الأعراف آية: ٨١. ٣ سورة النمل آية: ٥٥. ٤ سورة العنكبوت الآيات: ٢٨، ٢٩. ٥ سورة العنكبوت آية: ٢٩.
[ ١٥١ ]
وظنوه كاذبا ولم يأبهوا به وبدعوته، فاتجه لوط لربه قائلا: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
ضيوف لوط:
أراد الله ابتلاء قوم لوط قبل إهلاكهم، فأرسل إلى لوط -﵇- عددا من الملائكة، في صورة رجال حسان، أتوه سائرين على أرجلهم، بعد أن مروا على إبراهيم -﵇- أولا، وبشروه وزوجته سارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب.
ولما رأى لوط ضيوفه خاف عليهم، وتألم لعجزه عن صد قومه عنهم، وأسرعت زوجته إلى الناس تخبرهم بمجيء ضيوف لوط، وتصف لهم محاسنهم وجمالهم، فجاءه الرجال مسرعين لقضاء شهواتهم، ورغباتهم الشاذة.
وعرض عليهم ﵇ أن يتزوجوا بناته بطريقة شرعية، قال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ٢.
ردوا عليه بكل استهتار وكبر، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ ٣.
فقال لهم ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ٤، فعرفهم لجوءه إلى الله، وأنه لو تمكن من ردهم بقوة الناس لفعل، لكنه يستسلم لله، ويعتمد عليه، وهنا طمأنته الملائكة، وعرفته أنهم رسل من الله جاءوا لإهلاك القوم الظالمين، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٣٠. ٢ سورة هود آية: ٧٨. ٣ سورة هود آية: ٧٩. ٤ سورة هود آية: ٨٠.
[ ١٥٢ ]
إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ١.
وسار لوط -﵇- ومن آمن معه في جزء من الليل، وعند الصبح جاءتهم صيحة، ورفع الله القرية فجعل عاليها سافلها، ورماهم بحجارة من سجيل، فأهلكهم جميعا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ ٢، لقد أنزل الله عليهم الحجارة، معلمة من الله، على كل حجر اسم من سيقتله، وكانت العقوبة مساوية لجرمهم، في صيغتها وشدتها، فإنهم غيروا الفطرة، وقلبوا الحقائق، وعبدوا غير الله، وأتوا الذكران، وتفاخروا بالفسق، فكانت عقوبتهم انقلاب القرية عليهم، وإهلاكهم وهم جلوس بواسطة أحجار صغيرة تلقى على رءوسهم، وهي السجيل المنضود، وإبقاءهم عبرة لغيرهم.
وما زالت قريتهم "سدوم" باقية حيث كانت، عند البحر الميت؛ للتذكر والاعتبار، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣.
وهكذا أهلك الله قوم لوط بعقوبة تتناسب مع ضلالهم وفسادهم.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٨١. ٢ سورة هود آية: ٨٢. ٣ سورة العنكبوت آية: ٣٥.
[ ١٥٣ ]