اختار الله صالحا للرسالة، وبعثه إلى قومه خاصة، يدعوهم إلى الحق، وإلى صراط الله المستقيم.
فبدأ ﵇ بدعوتهم إلى الركن الأساسي في الدعوات الإلهية جميعا، وهو الإيمان بالله، إلها معبودا، وربا رازقا معينا، وقال لهم ما حكاه الله ﷾
[ ٩٥ ]
في القرآن الكريم: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، ومن هنا كانت بداية الدعوة، فهو أخوهم، وهم قومه، والرائد لا يكذب أهله، ودائما يكون بين الأهل صدق، ومناصحة، وقضيته التي يدعوهم إليها واضحة، وهي عبادة الله وحده ونبذ عبادة غيره، والتصديق بكل ما يتصل بهذا الأصل من أركان أخر؛ كالإيمان بالرسالة والملائكة والوحي المنزل واليوم الآخر بكل ما فيه من أحوال وأهوال، ومواقف..
دعاهم إلى ذلك، وقدم دليل الإيمان مركزا على النعم الإلهية التي يتمتعون بها، ويلمسونها، ويعايشونها، ومن أهمها ما قاله الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ٣. إنها نِعَم عظيمة، متعتهم بالحياة، ويسرت معاشهم، وكان عليهم أن يشكروا خالقها، وموجدها، ومبدعها، ويعبدوه وحده. كان عليهم أن يدركوا ذلك بعقولهم التي وهبها الله لهم، لكنهم بدل أن يؤمنوا كفروا، قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ٤، والآية تبين دور الشيطان في صدّهم عن الحق، فعارضوا
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٧٣. ٢ سورة الأعراف آية: ٧٤. ٣ سورة الشعراء الآيات: ١٤٦-١٥٠. ٤ سورة العنكبوت آية: ٣٨.
[ ٩٦ ]
وأخذوا في رد دعوة صالح ومناقشته
أعلنوا تمسكهم بعبادة الأصنام؛ لأنها عبادة آبائهم، يصنعونها بأيديهم، ويأخذونها في سفرهم، ثم يعبدونها متى شاءوا، وكيف شاءوا!! ولم يتصوروا رسالة لبشر منهم؛ ولذلك أنكروا دعوة صالح وقالوا: إن الرسالة لا تكون لبشر، قال تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ١، وقالوا له: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢.
ولم يقفوا عند رد الرسالة وعدم الإيمان بها، بل أخذوا في سبه وإيذائه..
اتهموه بالسحر، وقالوا له: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ ٣.
ورموه بالكذب، وقالوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ ٤.
وذكروا له خيبة أملهم فيه، وقالوا: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٥؛ لأنهم كانوا يرجون الاستفادة برشده، ويتمنونه كاهنا لأصنامهم؛ ولذا أنكروا كل ما دعاهم إليه ﵇.
رد صالح -﵇- آراءهم، وبيّن لهم أنه لا يسألهم أجرا، ولا يكلفهم شيئا، وأنه ناصح لهم أمين مخلص، وأعلن لهم ثقته برسالته، وأكد صدقه في دعوته، وسألهم سؤالا محددا، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ٦؟ فلم يجبه أحد؟
_________________
(١) ١ سورة القمر آية: ٢٤. ٢ سورة الشعراء آية: ١٥٤. ٣ سورة الشعراء آية: ١٥٣. ٤ سورة القمر آية: ٢٥. ٥ سورة هود آية: ٦٢. ٦ سورة هود آية: ٦٣.
[ ٩٧ ]
وطلبوا منه آية تثبت لهم صدقه، فأخذ عليهم الميثاق أن يؤمنوا بدعوته حين ظهور المعجزة المؤيدة له، لكنهم لم يلتزموا جميعا بما اتفقوا معه عليه، جاء في الكامل لابن الأثير أن ثمود قالوا لصالح: اخرج معنا في يوم عيد لهم فأرنا آية، تدعو إلهك لها، وندعو آلهتنا أن لا يستجاب لك، فإن أستجيب لك اتبعناك، وإن لم يستجب لك اتبعتنا فوافقهم على ذلك، ودعوا أصنامهم، وقالوا لصالح: ادع ربك يخرج لنا من هذه الصخرة "وعينوها" ناقة جوفاء عشراء، فإن خرجت صدقناك، فلما خرجت صدقه سيد قومه، وطائفة معه، ولم يؤمن الآخرون١.
وقال لهم صالح: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ ٢. إنها ليست مملوكة لأحد، فاتركوها في أي أرض لا مالك لها منكم تأكل منها، ولا تمسوها بأدنى سوء، والماء بينكم وبينها قسمة، قال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ٣، وعرفهم أنهم إن مسوها بسوء، فسيحل عليهم عذاب قريب، يهلكهم بعد ثلاثة أيام من الإساءة إليها.
وبظهور الناقة المعجزة انقسمت ثمود إلى فريقين؛ فريق آمن برسالة صالح، وصدق بالله، وأخذ يدافع عن إيمانه بالحجة والبرهان، وفريق استمر على ضلاله وكفره، وعناده، وأبى الكافرون أن تستمر الخصومة فكرا وجدلا، وإنما دفعهم الكبر إلى شتم صالح والمؤمنين معه، قال تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الكامل لابن الأثير ج١، ص٨٩، ٩٠. ٢ سورة هود آية: ٦٤. ٣ سورة الشعراء آية: ١٥٥. ٤ سورة النمل آية: ٤٧.
[ ٩٨ ]
وأخيرا أعلنوا إصرارهم على ما هم فيه: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١.
فرد عليهم وعرفهم بأن الله تعالى مطلع على كل أعمالهم وأحوالهم، وهو سبحانه يفعل بهم ما يشاء، ويعاقبهم كما يريد، ومتى يريد، ثم سألهم سؤالا عساهم يفكرون في المصير الذي سيحل بهم، قال لهم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢.
وهذا كلام يقصد به ﵇ أن يثير في نفوسهم النظر، والتدبر؛ ليتفكروا في الدعوة ومصيرهم.
لكن الضلال صدهم عن الحق، وأبعدهم عن الصواب، وأخذوا يدبرون لقتل صالح ومن معه، على أن يتم القتل سرا، لا يكشفه أحد.
ووضع خطة القتل أولو الرأي منهم، وكانوا تسعة، وهم الرهط المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ ٢، والتسعة هم تسعة رجال، وقيل: بل هم تسع جماعات.
أقسم هؤلاء التسعة على تنفيذ اتباعهم الخطة ليلا؛ لمباغتة صالح وقتله، ومباغتة المؤمنين معه وقتلهم كذلك، على ألا يخبروا بذلك أحدا، فإن سُئلوا عن القاتل يجيبون: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٣، وبذلك يضيع دم القتلى هدرا، ويدعون الصدق لأنهم دبروا، ولم يشاهدوا، مع أن المدبر للجرم إثمه مضاعف؛ لأنه مدبر للجريمة، وراضٍ بها، ونفى علمهم بالقتل كذب في حد ذاته؛ لأن الشهادة تنبني على
_________________
(١) ١ سورة النمل آية: ٤٦. ٢ سورة النمل آية: ٤٨. ٣ سورة النمل آية: ٤٩.
[ ٩٩ ]
العلم اليقيني، والمدبرون يتابعون كيدهم، ويعلمون بنتيجته على وجه اليقين، فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا﴾ كذب واضح؛ لأنهم دبروا، وخططوا، وأخذوا يتابعون التنفيذ، ويوجهون من كلفوهم بالقتل.
ولكن القدر الإلهي كان أسبق منهم، فلقد جاء أشقاهم وعقر الناقة، وقتلها فنزل وعيد الله فيهم بعد ثلاثة أيام، إذا جاءتهم صيحة عالية، ارتجت لها الأرض، فماتوا جميعا، وهم جاثمون على ركبهم، ونجى الله صالحا والمؤمنين معه، وأبقى بيوتهم خالية لتشهد عليهم، ولتكون عبرة للأجيال من بعدهم، يقول الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١، وبعد أن نجى الله صالحا -﵇- والمؤمنين معه، شدوا رحالهم إلى بيت الله الحرام حاجين، فعن ابن عباس -﵁- قال: لما مر النبي -ﷺ- بوادي عسفان حين حج قال: "يا أبا بكر، أي وادٍ هذا؟ " قال: وادي عسفان، قال: "لقد مر به هود، وصالح -﵉- على بكرات، خطمها الليف، وأزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون ويحجون البيت العتيق" ٢.
يقول ابن كثير: يقال: إن صالحا انتقل إلى حرم الله، فأقام به حتى مات، ودفن به، وقيل: بل عاش فترة في رملة فلسطين بالشام، حتى مات ودفن بها، والله أعلم
_________________
(١) ١ سورة النمل الآيات: ٥١-٥٣. ٢ البداية والنهاية ج١، ص١٣٨، والبكرات: الفَتِيَّة من الإبل، والنمار: كساء مخطط.
[ ١٠٠ ]