خرج يوسف من السجن، وصار محل ثقة الملك، ويبين ابن كثير أن الملك كان يسمى "الريان بن الوليد"، وأن وزيره الأول هو "أطفير" الذي اشترى يوسف ورباه، وهو زوج من راودت يوسف ﵇.
أراد يوسف أن يصلح الناس في معاشهم ودينهم، فطلب من الملك أن يوليه الخزائن، فاستحسن الملك ما طلب، وعزل أطفير، وولى يوسف مكانه، وبعدها هلك أطفير بمدة وجيزه، فزوج الملك يوسف زوجة العزيز، فلما دخل بها قال لها: أليس ذلك خيرا مما كنت تريدين؟
فقالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة جميلة، ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت ورأى النسوة١.
وتولى يوسف وزارة مصر الأولى، وتزوج زليخا فوجدها عذراء، فولدت له أولادا.
وقد اشتهر يوسف بالعدل، والإنصاف، والصدق، وإعانة الضعفاء فأحبه الجميع، ويقال: إن الملك آمن بدعوة يوسف، وسلم الأمر له، فصار كل شيء في مصر تحت حكمه٢: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ والملك راضٍ عنه.
ومما يدل على أن يوسف -﵇- صار متمكنا في كل جوانب الحياة في مصر، أنه تعامل مع إخوته منفردا، ولم يرجع لرئيس معه في محاكمة أخيه، أو مناقشة إخوته، أو إحضار أهله جميعا إلى مصر.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٢ ص٣٨٣. ٢ البداية والنهاية ج١ ص٢١١.
[ ٢١٧ ]
يروي الفضل بن عياض مصورا سلطان يوسف -﵇- أن امرأة العزيز وقفت على ظهر الطريق حتى مر يوسف بسلطانه فقالت: "الحمد لله الذي جعل الضعفاء ملوكا بطاعته، وجعل الملوك صغارا بمعصيته"١.
ومضت السنوات الأولى، وجاء الجدب والقحط، فورد الناس على يوسف من سائر الأقاليم، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان ﵇ لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك، والجنود، إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكافأ الجميع.
كان يوسف -﵇- رحمة من الله تعالى على أهل مصر، وعلى من جاورهم، وكان أبناء يعقوب -﵇- أعرابا، يعيشون في البادية، ويتنقلون حيث العشب والماء، فلما نزل القحط بالناس حل الجدب ببني إسرائيل؛ ولذلك جاء أبناء يعقوب يمتارون من مصر، وكان ما كان بين يوسف -﵇- وإخوته على نحو ما ذكرت وأخيرا أعطاهم قميصه، وقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، ذلك أن أباه يعقوب -﵇- قد كف بصره؛ لكثرة بكائه على فراق يوسف وأخيه، وكان دائما يذكرهما.
ولما غادرت القافلة ومعها قميص يوسف أرض مصر، هاجت ريح حملت رائحة القميص إلى يعقوب، فقال لمن معه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ ٣، عرف ريح يوسف ولم يقطع به؛ حتى لا يتهم من بنيه وقومه بالجري وراء الأماني والأحلام، وجاء حامل القميص فألقاه على وجهه فعاد إليه بصره، وهنا قال لإخوته: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٢ ص٤٨٢. ٢ سورة يوسف آية: ٩٣. ٣ سورة يوسف آية: ٩٤، ٩٥. ٤ سورة يوسف آية: ٩٦.
[ ٢١٨ ]
فطلبوا من أبيهم أن يغفر لهم، واعترفوا بخطئهم فسامحهم، وأخبرهم بأنه سيدعو الله لهم ويستغفره، فهو سبحانه الغفور الرحيم، يقول الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
وجاء الإسرائيليون جميعا إلى مصر مع نبيهم يعقوب، وكان عددهم يقترب من أربعمائة رجل وامرأة، وعاشوا بمصر مكرمين.
يذكر ابن كثير أن إخوة يوسف حملوا أهلهم جميعا، ورحلوا بهم من بلاد كنعان قاصدين أرض مصر، فلما علم يوسف باقترابهم خرج لتلقيهم، وأمر الملك أمراءه، وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب -﵇- وأهله، ويقال: إن الملك خرج بنفسه مع يوسف للترحيب بالركب القادم، ولما وصلوا إلى البلدة قال لهم يوسف: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٢.
وعاش الإسرائيليون في مصر متمتعين بقوة السلطان، وعزة يوسف -﵇- قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
ويبدو أن الإسرائيليين عاشوا في عزلة عن المصريين، وحافظوا على كافة خصائصهم النفسية، والمادية، والبدوية إلخ.
_________________
(١) ١ سورة يوسف الآيات: ٩٧، ٩٨. ٢ سورة يوسف آية: ٩٩. ٣ سورة يوسف آية: ١٠٠.
[ ٢١٩ ]
ولذلك بقي المجتمع مكونا من طبقتي المصريين والإسرائيليين، المتباعدتين عن بعضهما حتى بعث الله موسى -﵇- وأرسله رسولا إلى المصريين، وبني إسرائيل معا.
ومن عجائب المقارنات أن المصريين خرجوا مع الملك، ويوسف لاستقبال بني إسرائيل يوم مجيئهم، وعند خروجهم تخفوا، وأخذوا معهم ذهب المصريات، بلا حق لهم فيه، وهو الذهب الذي صنعوا منه العجل ليكون لهم إلها.
ويختلف المؤرخون في عدد الإسرائيليين يوم خروجهم من مصر، وبعضهم يذكر أنهم بلغوا أكثر من سبعمائة ألف، مما يعني أنهم عاشوا مدة طويلة في أرض مصر.
[ ٢٢٠ ]