"النقطة الثانية": "التعريف بيوسف ﵇"
وهب الله يعقوب -﵇- اثني عشر ولدا، أحدهم يوسف -﵇- وقد تزوج يعقوب -﵇- عددا من النسوة، ورُزق من راحيل بولدين، فليوسف أخ شقيق، والباقون إخوة لأب، وأخو يوسف الشقيق هو "بنيامين"، وترتيب يوسف بينهم الثاني عشر، وقد تميز منذ صغره بسعة العقل، وسلامة الخلق، وكان محل حب أبيه لنجابته، وصغره، ويتمه بموت أمه، وزاد من حب أبيه له الرؤيا التي رآها،
[ ١٩١ ]
وقصها له، وعنها يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ١
وقد فهم يعقوب -﵇- من هذه الرؤيا البشارة بنبوة يوسف -﵇- وعلم أن أمر الرسالة سينتقل من بعده له، فنصحه بعدم إخبار إخوته بهذه الرؤيا منعا للكيد، ومحافظة على المودة والألفة.
وإخوة يوسف الأحد عشر هم الأسباط، وعنهم عبرت الرؤيا بالكواكب، أما القمر فهو أبوه، وأما الشمس فهي أمه، أو خالته.
وقد راعت أقدار الله يوسف -﵇- وأحاطته العناية الإلهية، فنشأ متمتعا بجمال فائق، عبر عنه النسوة بقولهن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ٢، وصار يضرب به المثل في الجمال.
يذكر السهيلي أنه كان على النصف من حسن آدم؛ لأن آدم بلغ نهاية الحسن٣
وجاء في بعض الروايات أن أهل مصر أصابهم الجفاف في عصر يوسف، فكانوا ينسون جوعهم بالنظر إلى يوسف تلذذا بجماله وحسنه٤، يقول النبي ﷺ: "رأيت يوسف ليلة أسري بي في السماء الرابعة" فقيل: كيف رأيته؟ قال: "كالقمر ليلة البدر" ٥.
وتميز يوسف -﵇- بالرشد والفهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ٦.
واشتهر بصدق المعاملة، والإخلاص في عبادة الله، والاعتراف بالمعروف يسدى إليه، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٤. ٢ سورة يوسف آية: ٣١. ٣ البداية والنهاية ج١، ص٢٠٥. ٤ مدرسة الأنبياء ص١٢٢. ٥ بصائر ذوي التمييز ج٦، ص٤٧. ٦ سورة يوسف آية: ٢٢. ٧ سورة يوسف آية: ٢٤.
[ ١٩٢ ]
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
وعرف بالعدل، والإنصاف، والصبر، والتحمل، وعفة اللسان، ونبل الأخلاق، فكان هو هو بخلقه وشخصيته في كل أحواله، رغم تقلبها الواضح، وتنوع انقلابها وتحولها، فتارة هو في الجب، وأخرى في بيت العزيز ومرة في السجن، وأخرى واليا لخزائن أرض مصر.
وقد عاش ﵇ حتى تحققت رؤياه، ومات بأرض مصر ودفن بها، ثم نقل جثمانه إلى فلسطين في زمن موسى ﵇، يدل على ذلك ما رواه أحمد في مسنده عن أبي موسى الأشعري أن بعض الصحابة سألوا رسول الله -ﷺ- عن عجوز بني إسرائيل.
فقال ﵇: "إن موسى -﵇- حين أراد أن يسير ببني إسرائيل ضل عنه الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ قال له علماؤهم: إن يوسف -﵇- حين حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من أرض مصر حتى ننقل عظامه معنا، فقال موسى: أيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما علم أحد قبره إلا عجوز بني إسرائيل، فأرسلوا إليها، وأتوا بها، وسألوها عن قبر يوسف فانطلقت بهم إلى بحيرة فيها ماء، فأمرتهم أن يجففوا ماءها، فلما جففوها حفروا بها واستخرجوا منها عظام يوسف، فلما أقلوه معهم من أرض مصر، إذا الطريق مثل ضوء النهار" ٢.
وتحتاج الإحاطة التفصيلية بنشأة يوسف -﵇- ومعرفة أطوار حياته إلى دراسة موضوعات رئيسية في قصته، وأهمها:
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية: ٢٣. ٢ مسند الإمام أحمد، والحديث صحيح صححه الهيثمي والألباني، والعظم يسمى به البدن، قصص القرآن ص٢٤٨.
[ ١٩٣ ]
١- يوسف وإخوته.
٢- يوسف في بيت العزيز.
٣- يوسف في السجن.
٤- يوسف والحكم.
٥- يوسف وبنو إسرائيل.
وسأتناولها فيما يلي
[ ١٩٤ ]