١- آدم ﵇:
آدم -﵇- أبو البشر، خلقه الله تعالى أولا، ومنه خلق حواء ثانيا١، وبث منهما بعد ذلك رجالا كثيرا ونساء، فتناسل الناس، وكثرت الذرية، ووجدت القبائل والشعوب، وتعددت الأمم والأوطان.
ولقد استخلف الله آدم في الأرض، وتوارث بنوه هذه الخلافة، وحملوا أمانة الدين، وصاروا عنها مسئولين إلى يوم القيامة.
وهكذا بدأت الإنسانية موحدة مؤمنة، بوجود آدم -﵇- حيث كلمه الله، وعلمه قبل أن يولد له، وسار أبناؤه بتوجيهاته مؤمنين، ولم يظهر الشرك في الناس إلا بعد آدم بعشرة قرون.
وأغلب المؤرخين وكتاب السير يبدءون بتاريخ نوح -﵇- لأنه حارب الشرك، ودعا إلى التوحيد وعبادة الله تعالى، ويرون أن آدم -﵇- أرسل لأبنائه فقط، أما نوح -﵇- فإنه أرسل إلى الناس٢، وفيهم المشركون وعبدة الأوثان والأصنام.
ولكني آثرت أن أبدأ الكتابة في تاريخ الدعوة بآدم -﵇- تقديرا لأبوته للبشرية كلها، وحفاظا على شمولية البحث في تاريخ الأنبياء، وبيانا لبعض الحقائق التي صارت جزءا من حركة الحياة والأحياء، وليعلم الإنسان حقيقته، وواقعه، وعدوه، وصاحبه، ومصيره الأخير.
_________________
(١) ١ سمي آدم باسمه هذا؛ لأنه تكون من أديم الأرض، وسميت حواء باسمها؛ لأنها خرجت من حي. ٢ تسببت الأحداث في أن تكون رسالة نوح -﵇- للناس جميعا؛ لأن معارضيه أغرقهم الطوفان ولم يبق إلا أتباعه فقط.
[ ٣٩ ]
وشجعني على هذه البداية أن الإسلام يربط الأمة الإسلامية بأبيهم آدم كثيرا، حيث يعرفهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ٢.
ونادى الله الناس ببنوتهم لآدم، يقول تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٣.
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ٤.
بل إن الله -﷾- ربط المسلمين عمليا بأبيهم آدم من خلال تخصيص يوم الجمعة للمسلمين، وتعيينه للخطبة والصلاة؛ لأنه يوم آدم ﵇، يقول النبي ﷺ: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه" ٥.
فيوم الجمعة هو يوم آدم، وهو عيد للمسلمين، يعيشه الناس فيربطون البداية بالنهاية، ويستعدون بالعبادة والإخلاص لقيام الساعة، سائلين الله كل خير، عسى أن يكون دعاؤهم ساعة الإجابة.
وسأجعل حديثي عن آدم في نقاط، بحيث تعطي كل نقطة فكرة محددة، على أن تقدم سائر النقاط متعاونة السيرة، متكاملة كما جاءت في القرآن الكريم، وإن لم تكن أحداثها متسلسلة، والله الموفق
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١. ٢ سورة الحجرات آية: ١٣. ٣ سورة الأعراف آية: ٣١. ٤ سورة الأعراف آية: ٢٧. ٥ الفتح الرباني، باب فضل الجمعة ج٦ ص٣.
[ ٤٠ ]